26/10/2025
مع افتتاح المتحف المصري الكبير وظهور تمثال الملك رمسيس الثاني شامخًا في مدخل القاعة الكبرى، يعود الحديث مجددًا عن واحدة من أكثر العمليات الهندسية جرأة في تاريخ حفظ الآثار المصرية. رحلة التمثال التي بدأت عام 2006 لم تكن مجرد عملية نقل لحجر ضخم، بل كانت اختبارًا علميًا وإنسانيًا لقدرة العقول المصرية على الربط بين العلم والدقة والوعي التاريخي. حينها، أجمع الخبراء على استحالة تنفيذ المهمة دون كسر أو تلف، نظرًا لوزن التمثال الذي تجاوز 83 طنًا، وموقعه في قلب ميدان مزدحم محاط بخطوط المترو واهتزازات المرور المستمرة.
لكن المهندس الأستاذ الدكتور أحمد حسين، أستاذ التصميم وهندسة الإنتاج بكلية الهندسة جامعة عين شمس الله يرحمه ، كان له رأي آخر. وضع تصورًا هندسيًا متكاملًا قائمًا على تحليل ديناميكي للكتلة الضخمة للتمثال، مع دراسة الخواص الميكانيكية للجرانيت وتحديد نقاط التحميل الآمنة. اعتمدت خطة النقل على قاعدة معدنية ضخمة صُممت خصيصًا لتوزيع الوزن بشكل متجانس على أنظمة رفع هيدروليكية متعددة النقاط تقلل الانحراف أو الضغط المركز أثناء الحركة.
قبل التنفيذ، أُجريت تجارب محاكاة مصغّرة ونمذجة رقمية لتحديد المسار المثالي، كما تم اختبار تحمل الطرق والكباري بأجهزة تحميل متخصصة تحاكي الوزن الحقيقي. أثناء النقل، تحرك التمثال بسرعة لا تتجاوز كيلومترًا واحدًا في الساعة، ورافقته مجموعة أجهزة استشعار لقياس أي تغير في الاهتزاز أو الميل عن محور الثقل. كان كل تفصيل خاضعًا لضبط دقيق تحت إشراف فريق من المهندسين وخبراء الآثار والفيزياء الإنشائية.
العملية كانت درسًا في تكامل العلوم. فقد تعاون خبراء الميكانيكا، الاهتزازات، علوم المواد، والآثار الفرعونية في إطار واحد لضمان أن يبقى التركيب البلوري للجرانيت ثابتًا طوال الرحلة. تحولت القاهرة يومها إلى مختبر علمي عملاق، شاهده العالم بإعجاب كمثال على كيف تحمي الهندسة ذاكرة الحضارة بأدوات العقل والعلم.
في السادس والعشرين من أغسطس 2006، وصل تمثال رمسيس الثاني إلى موقعه الجديد أمام المتحف المصري الكبير دون أن يتعرض لأي ضرر، لتُخلَّد العملية كأحد أعظم إنجازات الهندسة المصرية الحديثة. وكان الدكتور أحمد حسين صاحب التصميم الهندسي الأول لهذه الرحلة التي أثبتت أن الإبداع المصري لا يتوقف عند الماضي بل يستشرف المستقبل.
في القاعة الكبرى في المتحف المصري الكبير، يقف تمثال رمسيس الثاني شاهدًا على تاريخ من العظمة والعلم، وتحية للمهندس المصري الراحل الذي حوّل مستحيل النقل إلى ملحمة واقعية تجمع بين عبقرية التصميم ودقة التنفيذ.
وفي هذه الأيام نتذكر أستاذنا الفاضل بالدعاء بالرحمة والمغفرة وأن يسكنه الله تعالى فسيح جناته وان يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان