قسم الفلسفة - كلية الآداب جامعة المنوفية - الصفحة الرسمية

  • Home
  • Egypt
  • Shebin al-Kom
  • قسم الفلسفة - كلية الآداب جامعة المنوفية - الصفحة الرسمية
Directions Website Contact the university

قسم الفلسفة - كلية الآداب جامعة المنوفية - الصفحة الرسمية النافذة الإعلامية الرسمية لقسم الفلسفة بكلية الآداب ج?

اد صلاح عثمان استاذ المنطق وفلسفة العلوم  يكتب العمى الانتباهي: حين يمر العالم أمامنا دون أن نراهثمة وهم نعيش داخله كل ي...
20/09/2026

اد صلاح عثمان استاذ المنطق وفلسفة العلوم يكتب العمى الانتباهي: حين يمر العالم أمامنا دون أن نراه

ثمة وهم نعيش داخله كل يوم، حتى يكاد يبدو من البديهيات التي لا تحتاج إلى برهان: أننا نرى العالم كما هو؛ نفتح أعيننا، فتبدو الأشياء حاضرةً أمامنا في وضوحها المعتاد؛ الشارع، الوجوه، الأصوات، حركة المارة، الضوء المنسكب على الأشياء. ويُخيل إلينا أن العين نافذةٌ شفافة، وأن ما يقع في مجالها ينتقل، بطريقة ما، إلى وعينا.

لكن الحقيقة أن العين لا تكفي لكي نرى؛ فقد يمر شيءٌ أمامنا، قريبًا إلى الحد الذي يستحيل معه القول إنه كان خارج مجال الرؤية، ومع ذلك لا نراه. ليس لأن أعيننا كانت مغلقة، ولا لأن الشيء كان خفيًا، بل لأن انتباهنا كان في مكان آخر. هنا تبدأ المفارقة: قد نكون حاضرين بأجسادنا في العالم، بينما يكون وعينا غائبًا عنه.

هذا ما يُعرف في علم الإدراك باسم «العمى الانتباهي» Inattentional blindness أو «الانتباه الانتقائي» Selective attention: إنه ليس عجزًا في العين، وإنما حدودٌ فيما يستطيع الوعي أن يمنحه من حضور. نحن لا نرى كل ما تلتقطه حواسنا؛ بل نرى، في النهاية، ما يختاره الانتباه من بين فيضٍ هائل من المنبهات. وهنا يصبح السؤال الفلسفي أكثر إزعاجًا من السؤال العلمي: إذا كان هناك شيءٌ يقع أمامنا ولا ندركه، فهل يمكننا أن نقول إننا «رأيناه» حقًا؟

العالم أكثر ازدحامًا مما يسمح به وعينا. وفي كل لحظة، تتدفق إلى حواسنا معلومات لا تكاد تُحصى: ألوان، حركات، أصوات، روائح، تعبيرات وجوه، تفاصيل مكانية، ذكريات تستيقظ، توقعات تتشكل، وإشارات لا نمنحها حتى فرصة الظهور في وعينا. ولو حاول العقل أن يعالج كل ذلك بالدرجة ذاتها من الاهتمام، لتحول الإدراك إلى فوضى لا يستطيع معها أن يميز شيئًا. لذلك لا يعمل العقل كمرآةٍ محايدة تعكس العالم كله، بل كحارسٍ يقف عند بوابة الوعي، يقرر باستمرار: هذا مهم، وهذا يمكن تجاهله؛ هذا يستحق المتابعة، وهذا يمكن أن يبقى في الخلفية. ولا تكمن المفارقة في أن العقل يهمل بعض الأشياء، فهذا أمر لا مفر منه، بل في أننا غالبًا لا نشعر بما تم إهماله أصلاً؛ فالشيء الذي لم ننتبه إليه لا يظهر لنا بوصفه «شيئًا غائبًا». لا يقف أمامنا ويقول: لقد كنت هنا ولم ترني. إنه يختفي ببساطة من تجربتنا، حتى يبدو الأمر كما لو أنه لم يكن موجودًا قط. ومن هنا يمكن أن نفهم غرابة الإدراك البشري: نحن لا نعيش في العالم بكل ما يحتويه، بل في نسخة منه؛ نسخة مختصرة، منتقاة، ومُعاد تركيبها لحظةً بعد لحظة.

العين تلتقط المشهد، لكن الانتباه يمنحه المعنى. وبين الأمرين مسافة صغيرة لا نشعر بها، مع أنها المسافة التي يُصنع فيها «العالم الذي نراه». قد نجلس في غرفة واحدة مع شخص، ونخرج منها بعد دقائق ونحن عاجزون عن تذكر تفاصيل كثيرة كانت أمام أعيننا طوال الوقت؛ وقد نتحدث مع أحدهم بينما تمر خلفه حركة كاملة لم ندركها؛ وقد نسير في شارع مألوف آلاف المرات، ثم نكتشف في يومٍ ما تفصيلاً كان موجودًا منذ سنوات، فنشعر للحظة أنه ظهر فجأة. لكنه لم يظهر، نحن الذين ظهرنا له. وهذه ربما إحدى أكثر الحقائق إثارة للقلق في تجربة الوعي: أن الشيء قد يكون حاضرًا في العالم دون أن يكون حاضرًا في تجربتنا؛ وجوده الخارجي لا يضمن وجوده العقلي.

الانتباه على هذا النحو يشبه كشافًا يتحرك داخل مسرح واسع؛ يضيء جزءًا من المشهد، بينما يترك أجزاء أخرى في العتمة. وما يتغير ليس المسرح بالضرورة، بل موضع الضوء. ومع كل انتقال للكشاف يتغير العالم الذي يبدو لنا حاضرًا. العالم الخارجي قد يبقى كما هو، لكن العالم الذي نختبره يتبدل. ولهذا فإن قولنا «أنا رأيت» لا يعني بالضرورة «لقد رأيت كل ما كان هناك»، بل يعني، في كثير من الأحيان، «لقد رأيت ما استطاع انتباهي أن يمنحه حضورًا».

من هنا تبدو خبرتنا اليومية أكثر هشاشة مما نحب أن نعتقد. نحن نميل إلى الشعور بأن وعينا متصل بالعالم اتصالاً كاملاً، وأن الأشياء المهمة لا يمكن أن تفوتنا، وأن ما يقع أمام أعيننا لا بد أن يترك أثرًا فينا. لكن العمى الانتباهي يكشف العكس: يمكن لشيء واضح، قريب، وموجود في مركز مجال رؤيتنا، أن يعبر أمامنا دون أن يصبح جزءًا من تجربتنا الواعية. وهذا لا يكشف ضعف البصر بقدر ما يكشف محدودية الحضور؛ فنحن لسنا كائنات ترى كل شيء ثم تختار ما تفكر فيه؛ نحن، إلى حد بعيد، كائنات تختار ما تنتبه إليه، ثم تبني من ذلك عالمها الخاص. وهنا تتغير دلالة كلمة «الواقع»؛ فالواقع، بالنسبة إلى وعينا، ليس مجرد مجموع الأشياء الموجودة، وإنما مجموع الأشياء التي استطاعت أن تعبر عتبة الانتباه وتدخل في نسيج التجربة.

ليس كل ما هو موجود حاضرًا؛ وليس كل ما هو حاضر ملحوظًا؛ وليس كل ما نلحظه يدخل إلى وعينا بالدرجة ذاتها. وبين هذه المستويات الثلاثة تتشكل المسافة الهائلة بين العالم كما هو، والعالم كما نعيشه! لكن الأمر لا يتوقف عند العين؛ فكما أن الانتباه ينتقي من العالم الخارجي، فإن التفكير ينتقي من عالمنا الداخلي. وهنا نصل إلى وهم آخر: أننا نفكر لكي نصل إلى الوضوح!

يبدو التفكير، في صورته المثالية، حركةً من الفوضى إلى النظام؛ ومن السؤال إلى الجواب، ومن الغموض إلى الفهم، ومن الحيرة إلى اليقين. غير أن التجربة الداخلية كثيرًا ما تقول شيئًا آخر؛ فقد نفكر طويلاً، لا لنصل إلى وضوح كامل، وإنما لنصل إلى ارتباك أكثر انتظامًا. وهذه ليست مفارقة عابرة. العقل لا يعيش في غرفة فارغة تنتظر أن تُملأ بالأفكار المرتبة؛ إنه يعمل داخل كثافة هائلة من الذكريات والانطباعات والرغبات والمخاوف والتوقعات والتجارب القديمة. وكل فكرة جديدة تدخل هذه الكثافة لا تأتي إلى أرض محايدة، بل تصطدم بما سبقها، وتستدعي شيئًا، وتقاوم شيئًا آخر. ولهذا قد لا يكون التفكير هو القضاء على الفوضى، بل إعادة توزيعها. نحن لا نُبدد الظلام بالضرورة؛ ربما نتعلم فقط كيف نرتب الأشياء داخله!

تخيل غرفة معتمة مليئة بالأثاث. حين يدخل إليها العقل، لا يستطيع أن يضيء كل شيء دفعة واحدة؛ إنما يسلط ضوءه على زاوية، فيظهر كرسي. ثم ينتقل الضوء إلى طاولة، فتتضح معالمها. وبعد لحظات نكتشف أن ما حسبناه جدارًا كان بابًا، وأن ما ظنناه فراغًا كان شيئًا آخر لم نكن نراه. لكن إضاءة زاوية لا تعني أن الغرفة أصبحت مضاءة بالكامل. وهكذا يعمل التفكير؛ إنه لا يكشف العالم كله، وإنما يمنحنا أشكالاً مؤقتة نستطيع من خلالها أن نقيم داخل تعقيده دون أن نغرق فيه. ولهذا فإن الفهم ليس دائمًا وصولاً إلى الحقيقة النهائية، بل قد يكون نجاحًا مؤقتًا في جعل الحقيقة قابلة للاحتمال.

قد نفهم شيئًا اليوم بطريقة، ثم نعيد فهمه بعد سنوات بطريقة مختلفة. ليس بالضرورة لأن الحقيقة الخارجية تبدلت، وإنما لأننا نحن الذين تغيرنا؛ تغيرت خبرتنا، واتسعت ذاكرتنا، وتبدلت قدرتنا على حمل التناقضات. ما كان يومًا مستعصيًا على الفهم قد يصبح قابلاً للصياغة، لا لأن العالم أصبح أبسط، وإنما لأننا أصبحنا أكثر قدرة على احتمال تعقيده. ولهذا ربما كان التفكير العميق متعبًا؛ فكلما ازداد وعينا بالأشياء، تراجعت بعض الأوهام التي كانت تمنحنا إحساسًا مريحًا بالاستقرار. والأسئلة التي تبدو في البداية بسيطة قد تفتح وراءها أسئلة أخرى، وكل إجابة قد تكشف حدودها الخاصة. لكن العقل لا ينهار بالضرورة أمام هذا التعقيد؛ إنه يعيد تشكيله؛ يصنع منه أنماطًا مؤقتة، ومفاهيم، وقصصًا، وتفسيرات تساعدنا على الاستمرار. ولا يعني ذلك أن هذه التفسيرات زائفة؛ بل يعني أنها ليست العالم ذاته، وإنما الطريقة التي أصبح العالم بها قابلاً للسكن داخل وعينا.

من هنا ربما يمكن فهم التفكير بوصفه شكلاً من أشكال الترويض الداخلي للقلق؛ فنحن لا نفكر دائمًا لكي نعرف كل شيء، بل لكي نستطيع أن نعيش مع ما لا نعرفه. ولا نبحث عن المعنى لأن الكون وعدنا بأن يمنحنا جوابًا نهائيًا، وإنما لأن الإنسان يجد صعوبة في السكن طويلاً داخل الفراغ. إن التفكير، في أعمق صوره، ليس وعدًا باليقين، وإنما تدريب على احتمال اللايقين. وعند هذه النقطة، يلتقي العمى الانتباهي بالتفكير في نقطة واحدة. العين لا ترى كل ما هو موجود، والعقل لا يفكر في كل ما هو حاضر؛ كلاهما يعمل بالانتقاء، وكأن الوعي البشري لا يستطيع أن يحتمل العالم في كليته، فيضطر إلى اختزاله لكي يصبح ممكنًا للعيش.

نحن نحتاج إلى هذا الاختزال، لكنه يحمل ثمنه أيضًا؛ فما لا ننتبه إليه قد يكون مهمًا، وما لا نفكر فيه قد يكون حاضرًا في حياتنا بطريقة لا نلاحظها، وما نظنه «العالم كله» قد لا يكون سوى الجزء الذي أضاءه كشاف وعينا في هذه اللحظة. ربما لهذا السبب كان الوعي البشري هشًا ومذهلاً في آن واحد: إنه لا يمنحنا العالم كاملاً، لكنه يمنحنا نسخة يمكننا أن نسكنها. وفي النهاية، بين عينٍ لا ترى إلا ما يسمح له الانتباه بالظهور، وعقلٍ لا يبدد الظلال وإنما يعيد توزيعها، يتكشف الإنسان لا بوصفه شاهدًا محايدًا على الحقيقة، بل بوصفه صانعًا دائمًا لحدود حضوره.

بعبارة أخرى، نحن لا نعيش داخل العالم وحده، بل داخل العالم كما استطاع وعينا أن يلتقطه. وما نراه ليس كل ما يوجد، وما نفهمه ليس كل ما نرى. وربما ما نسميه «اليقين» ليس سوى لحظة استقرت فيها الفوضى بما يكفي لكي نتمكن من النظر إليها دون أن نفقد توازننا. لذلك قد لا تكون الحكمة في أن نحلم برؤية كل شيء، فذلك مستحيل، ولا في أن نبحث عن عقل يبدد كل غموض، فالغموض جزء من بنية الوجود ذاته. ربما الحكمة في شيء أكثر تواضعًا: أن نعرف أن لنا حدودًا في الرؤية، وحدودًا في الفهم، وأن نتعلم، بين حين وآخر، أن نسأل أنفسنا عمّا يقع خارج دائرة الضوء؛ فقد لا يكون العالم قد تغير؛ قد يكون الكشاف فقط قد تحرك!

رابط المقال في التعليق الأول
@متابعين @إشارة

محمد عفيفي مطر: شاعر الجوع والقمرحين تتحول الفلسفة إلى شعر على قدر المشقة تكون مغانم الرحلة، وعلى قدر سهولة الاقتناص الخ...
20/09/2026

محمد عفيفي مطر: شاعر الجوع والقمر
حين تتحول الفلسفة إلى شعر

على قدر المشقة تكون مغانم الرحلة، وعلى قدر سهولة الاقتناص الخاطف تكون تفاهة الحصاد.
لم يكن محمد عفيفي مطر شاعرًا يعبر الحياة من خارجها، بل كان يمشي في دروبها حافيَ الروح، يحمل جوع الإنسان، وذاكرة القرية، وقلق الفيلسوف، وحكمة الأرض. ومن هنا لم يكن شعره مجرد صناعة لغوية أو زخرفًا بلاغيًا، وإنما كان تجربةً وجوديةً عميقة، كتب قصائده من طين الأرض وعرق الإنسان ووجع الروح.
يُعد محمد عفيفي مطر واحدًا من أبرز شعراء جيل الستينيات في مصر، وقد امتدت تجربته الإبداعية بين الشعر والمقالة النقدية وقصص الأطفال، لكنه ظل في جوهر تجربته شاعرًا مشغولًا بالإنسان، وبذلك السؤال القديم المتجدد: كيف يستطيع الإنسان أن يحفظ إنسانيته في عالم يثقله الألم والاغتراب والزمن؟
لقد استحق مطر عن جدارة مغانم الرحلة؛ لأنه لم يأخذ الشعر طريقًا سهلًا إلى المجد، وإنما جعل من المعاناة مادةً للمعرفة، ومن الألم نافذةً يرى منها العالم بعيون أكثر عمقًا واتساعًا.
وقد وصفه الشاعر الفلسطيني المتوكل طه بأنه استطاع أن يقدم صورة مبدعة لعلاقة الشاعر المثقف بالسلطة وإفرازاتها، وما تصنعه حولها من نخب تردد أطروحاتها، بما يخلق ظلامًا يحجب الرؤية ويغتال البصيرة والحياة.
ولهذا جاءت قصائد مطر مشبعة بملامح الفزع والخوف، والرؤى المجهضة، والأماني المغدورة، لكنها في الوقت نفسه لم تفقد قدرتها على استعادة الجمال: وجوه الأحبة، والعصافير المسكونة بالشجر، والقلب المسكون بالقرية، والأرض التي تختزن ذاكرة الإنسان.
وتكفي عناوين دواوينه لتكشف عن هذه الرحلة الداخلية: «رباعية الفرح»، «أوائل زيارات الدهشة»، «هوامش التكوين»، «الجوع والقمر»، «يتحدث الطمي»، «النهر يلبس الأقنعة»، «شهادة البكاء في زمن الضحك»، «كتاب الأرض والدم»؛ وهي عناوين تبدو كأنها مفاتيح لعالم شعري تتجاور فيه الأرض والسماء، الجوع والقمر، الدم والطمي، البكاء والضحك، الموت والخلق.
ابن القرية... وابن الفلسفة
ومن علامات التكوين الأساسية في شخصية محمد عفيفي مطر أنه ابن القرية المصرية الأصيلة؛ فقد وُلد في رملة الأنجب بمحافظة المنوفية، فكانت القرية حاضرة في وجدانه لا بوصفها مكانًا جغرافيًا فحسب، وإنما بوصفها ذاكرةً ووجودًا وهوية.
ثم جاءت دراسة الفلسفة لتمنح هذه الذاكرة الريفية أفقًا كونيًا؛ فامتزجت الأرض بالفكرة، والطين بالسؤال، والنهر بالوجود، والقمر بالدهشة.
ولهذا لم تجلس الفلسفة في شعر محمد عفيفي مطر في هيئة أفكار مجردة، وإنما جاءت متخفيةً في الرمز والتجربة والصورة والأسطورة. فالإنسان في شعره يبحث عن معنى وجوده وسط الموت والزمن والألم، ولهذا تتكرر مفردات القبر والموت والليل، لا باعتبارها مفردات للمأساة فقط، بل باعتبارها أسئلةً عن المصير والمعنى.
وكان الاغتراب حاضرًا بقوة في تجربته؛ فالإنسان عنده يقف في مواجهة عالم فقد انسجامه، ويسأل: أين يجد الإنسان ذاته حين يصبح العالم غريبًا عنه؟
حتى الزمن عند مطر ليس مجرد مرور للأحداث، بل قوة فلسفية تلتهم الأشياء، وتعيد تشكيل وعي الإنسان، وتترك آثارها على الذاكرة والروح.
أما الطبيعة، فلا تظهر في شعره منظرًا خارجيًا محايدًا، وإنما تتحول إلى لغة أخرى للوجود؛ فـالقمر والنهر والأرض والطمي ليست مجرد عناصر طبيعية، بل رموز تتكلم عن الإنسان والخلق والزمن والمصير.
حين تتحول الحكمة إلى شعر
لقد منحته الفلسفة تلك القدرة على النظر إلى الأشياء في كليتها، وعلى الانتقال من الجزئي إلى الكوني، ومن التجربة الفردية إلى التجربة الإنسانية.
ومن هنا يمكن أن نفهم حضور الآخرين في شعره؛ فلم يكن مطر غارقًا في ذاته، منعزلًا عن آلام الجماعة، بل كان يحمل هموم الناس في قلبه، ويحوّل صرخاتهم إلى أسئلة شعرية.
وهنا يقترب مطر، من زاوية مختلفة، من الفكرة الأفلاطونية حول قوة الكلمة وأثرها في النفس؛ فالشعر ليس ترفًا لغويًا، وإنما قدرة على إيقاظ الإحساس الإنساني، وجعلنا أكثر قدرة على رؤية ألم الآخر.
وقد عبّر مطر عن هذا المعنى في حديثه عن صورة فتاة صغيرة مهلهلة الثياب تبكي تحت نعش يحمله أربعة رجال، وكيف شق صراخها قلبه وامتلأت عيناه بالدموع، ثم قال:
> «ومن ذلك الزمن البعيد وأنا ألمّ الدموع من الكتب، ويتشقق صدري لصرخات الموتى والأحياء.»
هنا تتحول القراءة إلى حياة، والكلمة إلى جرح، والشعر إلى ذاكرة إنسانية لا تستطيع أن تمر على الألم مرور العابرين.
الجوع والقمر... جدلية الأرض والسماء
ولعل عنوان «الجوع والقمر» من أكثر العناوين قدرةً على اختزال عالم مطر الشعري.
فالجوع هو الأرض، والاحتياج، والكدح، وعرق الفلاح، ووجع الإنسان البسيط؛ أما القمر فهو الحلم، والدهشة، والجمال، والبحث عن معنى يتجاوز قسوة الواقع.
وبين الجوع والقمر يقف الإنسان.
إنه يريد الخبز، لكنه يريد أيضًا المعنى؛ يريد أن يعيش، لكنه يريد أن يعرف لماذا يعيش.
ولهذا تبدو تجربة مطر وكأنها محاولة دائمة للمصالحة بين الطين والروح، وبين الواقع والحلم، وبين الجسد والمعنى.
وفي إحدى صوره الشعرية يقول:
> «هذا رغيف الشعير تبلغ به القمة
> كي تذوق الدماء التي شربتها السنابل،
> تذوق به طعم لحمي...»
إن الرغيف هنا ليس طعامًا فحسب؛ إنه اختزال لتاريخ طويل من الكدح الإنساني، وكأن الشاعر يعيد الإنسان إلى أصل الخبز: الأرض، والعرق، والدم.
الطمي... أسطورة الخلق
وفي عالم محمد عفيفي مطر يصبح الطمي أكثر من مادة من مواد الأرض؛ إنه ذاكرة الخلق.
فالطمي هو الواقعة الأولى، والمادة التي يبدأ منها الإنسان حكايته، وهو الحقل والنيل والجسد والحوار، وهو تلك المنطقة التي يتجاور فيها المقدس واليومي، الأرضي والكوني.
ولهذا يبدو مطر وكأنه يعيد كتابة أسطورة الإنسان من قلب الريف المصري؛ فالإنسان عنده ليس منفصلًا عن الأرض، وإنما هو امتداد لها، يحمل طينها في جسده، وذاكرتها في روحه.
من نيتشه إلى مطر... الشعر يضيء العتمة
يقول نيتشه إن الشعراء حين يريدون أن يخففوا عن الناس وطأة الحياة، فإنهم إما أن يصرفوا أنظارهم عن الحاضر المعذب، وإما أن يضيفوا إلى هذا الحاضر ألوانًا جديدة تشع ضوءًا.
ولعل محمد عفيفي مطر اختار الطريق الثاني؛ لم يهرب من الألم، ولم يجمّل القسوة زيفًا، لكنه حاول أن يفتح في جدارها نافذةً للضوء.
يقول:
> «الله يمنحنا ولو طفلًا
> يعلمنا الضحك...»
ثم يذهب إلى صورة الطفل بوصفه إمكانيةً لاستعادة البراءة والدهشة، وكأن ابتسامة الصغير قادرة على غسل العالم من بعض أوجاعه.
هنا يصبح الشعر فعل مقاومة للظلام، لا بالصراخ وحده، وإنما بإعادة اكتشاف المعنى.
هل كان مطر غامضًا؟
ظن بعض النقاد أن شعر محمد عفيفي مطر غارق في الغموض، لكن هذا الحكم لا يكفي وحده لفهم تجربته.
فالغموض عنده ليس إغلاقًا للمعنى بقدر ما هو اتساع له؛ قصيدته لا تقدم معناها في صورة واحدة جاهزة، وإنما تدعو القارئ إلى الدخول في طبقاتها: التراث المصري، والثقافة اليونانية، والتراث العربي، والتصوف الإسلامي، والتراث الشعبي، ومدارس الجدل الفلسفي.
وقد عبّر مطر عن هذا الامتداد الثقافي بقوله إنه يشعر بالانتماء إلى «عائلة الكلام الجميل»، التي تتلاقى فيها روافد التراث المصري، والثقافة الإغريقية، والتراث العربي، والتصوف، والتراث الشعبي.
ومن هنا يصبح شعره أشبه بكنز لا يُعثر عليه من القراءة الأولى؛ بل يحتاج إلى قارئ يمشي معه في الطريق، ويشارك الشاعر رحلة البحث عن المعنى.
«أنا الخطى... وفي دمي الطريق»
يقول محمد عفيفي مطر:
أنا الخطى وفي دمي الطريق
أنا الذي تزرعه الكتابة
وكأن الشاعر هنا يلخص فلسفة حياته كلها: الإنسان ليس نهاية الطريق، وإنما هو الطريق نفسه.
ويقول أيضًا:
لقد ولدت ميتًا
ونفخت في صورتي الفصول
وغسلت ملامحي بالجوع والحقول
فجئتكم كي أقول...»
إنها ولادة أخرى للشاعر؛ ولادة لا تتم في لحظة الميلاد البيولوجي، وإنما عبر الألم، والفصول، والجوع، والحقول، والكتابة.
وهكذا تصبح المعاناة ليست نقيضًا للإبداع، وإنما إحدى مواده الأولى.
رحلة الحكمة والألم
ولعل أجمل ما يلخص سيرة محمد عفيفي مطر قوله:
حياتي مغسولة بعرقي،
ولُقْمتي من عصارة كدحي،
ولم آخذ شيئًا من يد أحد،
ولم أكن عونًا على كذب أو ظلم أو فساد،
اللهم فاشهد.»
هنا يعود الشاعر إلى البداية: العرق، والكدح، والأرض، والصدق.
فمحمد عفيفي مطر لم يكتب الجوع لأنه قرأ عنه، وإنما لأنه عرف معناه؛ ولم يكتب الأرض لأنها صورة شعرية جميلة، وإنما لأنها كانت جزءًا من تكوينه؛ ولم يكتب الموت بوصفه فكرة فلسفية مجردة، وإنما بوصفه سؤالًا إنسانيًا يجاور الحياة في كل لحظة.
ولهذا فإن رحلته الشعرية ليست رحلة شاعر يبحث عن قصيدة، بل رحلة إنسان يبحث عن معنى.
رحل الجسد، وبقيت الحكمة.
وغاب الشاعر، وبقي صوته في الطمي والنهر والسنابل.
وبقي القمر معلقًا فوق جوع الإنسان، شاهدًا على أن الروح، مهما أثقلها الطريق، تستطيع أن تصنع من الألم قصيدة، ومن الجوع حكمة، ومن التراب ذاكرة.
ذلك هو محمد عفيفي مطر؛ شاعر الجوع والقمر، ابن الطمي والقرية، الذي جعل من الفلسفة روحًا للشعر، ومن الشعر طريقةً أخرى لفهم الإنسان.
اد. رضا خلاف

جدول محاضرات قسم الفلسفة  للعام الجامعي  ٢٠٢٦/٢٠٢٧
20/09/2026

جدول محاضرات قسم الفلسفة للعام الجامعي ٢٠٢٦/٢٠٢٧

19/09/2026
✨كلمة الأستـاذ الدكتـور خالـد السيـد زيـادة Khaled Ziada عميد كلية الآداب بمناسبة انطلاق العام الجامعي الجديد 2026/2027✨...
19/09/2026

✨كلمة الأستـاذ الدكتـور خالـد السيـد زيـادة Khaled Ziada عميد كلية الآداب بمناسبة انطلاق العام الجامعي الجديد 2026/2027✨

أبنائي وبناتي طلاب كلية الآداب جامعة المنوفية، أساتذتى وزملائي أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة بالكلية،
أعزائي الإداريين والعاملين بالكلية، يسرني أن أرحب بكم مع إشراقة عامٍ دراسي جديد، في رحاب كليتكم العريقة التي تسعى دائمًا لنشر العلم والمعرفة، وبناء أجيال تسهم في نهضة وطننا الغالي.

أبنائي الطلاب، أنتم قلب العملية التعليمية وأمل المستقبل، أحثكم على الجد والاجتهاد، والالتزام والانضباط، لتجعلوا هذا العام نقطة انطلاق نحو التميز والإبداع.

كما أتوجه بخالص الشكر لسعادة الأستاذ الدكتور أحمد ف*ج القاصد رئيس الجامعة، والسادة النواب، وزملائي من أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة على جهودهم المخلصة، وللعاملين والإداريين الذين يسهمون بتفانٍ في نجاح الكلية.

سائلًا المولى عز وجل أن يكون عامنا الدراسي عام خيرٍ وبركة وعطاءٍ وتميز، وأن يحفظ مصرنا الغالية ويديم عليها التقدم والازدهار.

مع خالص تحياتى,,,
الأستاذ الدكتور/ خالد السيد زيادة
عميد كلية الآداب ـ جامعة المنوفية.

العلاقات السامة بين :  (جدلية الفلسفة والفن)بعض العلاقات لا تحتاج إلى إصلاح… بل تحتاج إلى شجاعة الرحيل.فليس كل من أحببنا...
18/09/2026

العلاقات السامة بين : (جدلية الفلسفة والفن)

بعض العلاقات لا تحتاج إلى إصلاح… بل تحتاج إلى شجاعة الرحيل.
فليس كل من أحببناه كان جديرًا بالبقاء، ولا كل من اقترب من القلب كان أهلًا لأن يسكنه.
فثمة علاقات تبدأ ورديةً كالحلم، ثم تترك في الروح ندوبًا لا تُرى، وتحوّل القرب من طمأنينة إلى خوف، والحب من سكينة إلى قيد.
العلاقات السامة ليست مجرد علاقات تكثر فيها الخلافات؛ فالاختلاف جزء من كل علاقة إنسانية، وإنما هي تلك التي يتكرر فيها نمط الأذى، ويُستنزف فيها أحد الطرفين أو كلاهما نفسيًا، ويتراجع فيها الإحساس بالأمان والاحترام والقيمة الذاتية.
قد تكون علاقة عاطفية، أو صداقة، أو علاقة في محيط العمل، لكنها تشترك غالبًا في ملامح مؤلمة: تلاعب نفسي، وإشعار دائم بالذنب، وابتزاز عاطفي، ومحاولات للسيطرة، وانتقاص متكرر من القدرات، وانتهاك للخصوصية، وتذبذب بين الحنان والقسوة، والقرب والابتعاد.
والأشد قسوة أن الإنسان في هذه العلاقات قد يبدأ في الشك في إدراكه للأشياء؛ فيسأل نفسه:
هل بالغت؟ هل أخطأت؟ هل أنا السبب؟
وهنا يظهر ما يُعرف نفسيًا بـ التعزيز المتقطع؛ إذ لا يأتي الاهتمام والحب بصورة مستقرة، وإنما يظهران على فترات متباعدة، فتتحول لحظات الحنان والاعتذار إلى مكافآت نادرة تجعل التعلق أشد، ويظل الإنسان أسيرًا لاحتمال عودة تلك النسخة الجميلة من العلاقة. وهذه هي المفارقة الأكثر إيلامًا:
أن الإنسان لا يتعلق دائمًا بما تفعله العلاقة به، بل بما يتمنى أن تعود إليه.
فالعلاقات السامة لا تؤلمنا فقط بما تفعله بنا، وإنما بما تجعلنا نعتقده عن أنفسنا. تجعلنا في حالة دفاع دائم، نبرر، ونعتذر، ونبحث عن الأعذار لمن يؤذينا، حتى نصل أحيانًا إلى لحظة نحتاج فيها إلى أن نستعيد أنفسنا من العلاقة قبل أن نستعيد العلاقة ذاتها.
ومن هنا تدخل الفلسفة إلى المشهد.
فإذا كانت الفلسفة صورةً من صور وعي الإنسان بذاته والعالم، وكان الفن أصدق النوافذ التي يطل منها الإنسان على أعماقه، فقد التقت الفلسفة والفن طويلًا عند سؤال واحد:
متى يتحول القرب من الآخر إلى اغتراب عن الذات؟
لم يسمِّ الفلاسفة هذه العلاقات بالاسم الذي نستخدمه اليوم، لكنهم ناقشوا صورًا متعددة منها؛ علاقات تُفسد النفس، وتقوم على التملك والخوف والإذلال بدل الحرية والاحترام.
عند أفلاطون، لا ينبغي للحب أن يكون امتلاكًا للآخر، بل ارتقاءً بالنفس نحو الجمال والخير.
وعند أرسطو، تقوم الصداقة الحقيقية على الخير المتبادل، لا على المنفعة والاستغلال.
أما إبكتيتوس فيعيد الإنسان إلى ذاته، ويذكره بأن سلامه الداخلي لا ينبغي أن يصبح رهينة لما يفعله الآخرون. وفي فلسفة نيتشه يبرز الدفاع عن قوة الذات، وعن ألا يتحول الإنسان إلى ظل يعيش وفق إرادة الآخرين. أما سارتر فيحذر، في سياق فلسفته عن الآخر، من اختزال الإنسان في صورة نصنعها عنه ثم نفرضها عليه. ويرى إريك فروم أن الحب الناضج يقوم على العناية والاحترام والمعرفة والمسؤولية، لا على التملك والاعتماد المرضي.
لكن يبقى السؤال:
إذا استطاعت الفلسفة أن تكشف لنا مشكلة العلاقة السامة، فهل تستطيع أن تشفينا منها؟
ربما لا تقدم الفلسفة علاجًا نفسيًا مباشرًا، لكنها تمنحنا شيئًا بالغ الأهمية: المسافة التي نرى منها أنفسنا.
فحين نخرج قليلًا من داخل العلاقة، نستطيع أن نسأل: ماذا حدث لحدودي؟ متى بدأت أفقد نفسي؟ و هل ما أعيشه حب أم خوف من الفقد؟
هل أبقى لأنني سعيد، أم لأنني أخشى الرحيل؟
ومن هنا تبدو حكمة سقراط: ( اعرف نفسك) أكثر من مجرد دعوة إلى المعرفة؛ إنها بداية لاستعادة الحدود، والكرامة، والقدرة على الاختيار.
فالخروج من علاقة مؤذية لا يعني بالضرورة كراهية الآخر، وإنما قد يكون شكلًا من أشكال التصالح مع النفس.فليس كل رحيل هزيمة، وليس كل بقاء وفاء.
الفلسفة لا تعلمنا كيف نكره من آذانا، بل كيف نتحرر من أذاه دون أن نصبح نسخةً منه. تعلمنا كيف نرحل دون انتقام، وكيف نضع الحدود دون قسوة، وكيف نحب دون أن نفقد أنفسنا فيمن نحب. وإذا كانت الفلسفة تمنح الجرح معنى، فإن الفن يمنحه صوتًا وصورةً وذاكرة. الفن لا يمحو جراح العلاقات السامة، لكنه يمنح الجرح شكلًا يمكن رؤيته، ولغةً يمكن قولها، ومساحةً تستطيع فيها الروح أن تتنفس.
في ( عطيل، لشكسبير) ، تتحول الغيرة حين تختلط بالشك إلى قوة مدمرة؛ فحين يغيب الأمان عن الحب، قد يتحول الحب إلى مراقبة، والمراقبة إلى امتلاك، والامتلاك إلى مأساة.
وفي ( مدام بوفاري) لغوستاف فلوبير، نرى المسافة المؤلمة بين الصورة الرومانسية التي يحلم بها الإنسان عن الحب وبين الحياة حين تصطدم بالواقع، وما يمكن أن يولده ذلك من خيبة وفراغ واضطراب.
وفي ( دعاء الكروان) لطه حسين، تتحول العلاقة غير المتكافئة إلى مأساة إنسانية، ويكشف الأدب كيف يمكن للقرب حين يخلو من الاحترام والعدل أن يصبح بابًا للألم. وهكذا يقول لنا الأدب، بصوره المختلفة:
ليست كل علاقة قريبة علاقةً إنسانية، وليست كل يد تمتد إلينا يدًا تريد إنقاذنا؛ فبعض الأيدي تمتد لتقبض علينا. ...فماذا فعلت بنا علاقاتنا؟
هل جعلتنا أكثر سلامًا وحرية وكرامة؟
أم جعلتنا أكثر خوفًا وقلقًا وشكًا في أنفسنا؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن نطرحه قبل أن نسأل:
هل ما زلت أحب؟ فالحب الذي يطلب منك أن تفقد نفسك كي تحافظ عليه، يحتاج إلى مراجعة.
والصداقة التي تشترط إذلالك كي تستمر، ليست وفاءً. والقرب الذي يسلبك حريتك ليس أمانًا.
لذلك، توقف عن تبرير الأذى باسم الحب، ولا تجعل الوعود تغطي على الأفعال. راقب ما يفعله الإنسان بك، لا ما يعدك بأنه سيفعله. واعرف متى يكون الصبر فضيلة، ومتى يصبح استنزافًا. ومتى تكون المواجهة شجاعة، ومتى تصبح المسافة حكمة. ومتى يكون البقاء وفاءً، ومتى يصبح الرحيل إنقاذًا لما تبقى منك.
فبعض العلاقات لا تحتاج إلى مزيد من الصبر، بل إلى حدود. وبعضها لا يحتاج إلى مزيد من التفسير، بل إلى مسافة. وبعض الجراح لا يبرؤها الاعتذار، وإنما يشفيها الرحيل.
اد رضا خلاف استاذ ورئيس قسم الفلسفة.

صحيفة المُثقفأقلام فكريةاد أ.د. ياسر البتانوني  : التوحيد الإنساني بين وحدة المقصد واكتمال الوجود (2)  17 أيلول/سبتمبر 2...
17/09/2026

صحيفة المُثقف
أقلام فكرية
اد أ.د. ياسر البتانوني : التوحيد الإنساني بين وحدة المقصد واكتمال الوجود (2)
17 أيلول/سبتمبر 2026

إستكمالا لحديثنا السابق في الجزء الأول من مقالتنا عن التوحيد الإنساني https://www.almothaqaf.com/aqlam-3/989699نقول: إذا كان التوحيد قد أعاد إلى الإنسان وحدة مقصده، وحرره من التشتت بين الغايات المتنافسة، فإن أثره الأعمق لا يتوقف عند تحرير الإرادة، وإنما يمتد إلى إعادة بناء علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم وبالحياة كلها. فحين يستقر في القلب أن الله هو الغاية العليا، تتغير قيمة الأشياء في وعي الإنسان؛ فلا يعود ما في العالم قادرا على أن يمنح وجوده معناه النهائي، ولا يعود فقدان شيء من متاعه قادرا على أن يسلب حياته قيمتها، ولا يصبح امتلاك الأشياء دليلا على كماله، ولا فقدانها دليلا على نقصه. وهنا يتحرر الإنسان من أن يجعل قيمته فيما يملك، أو فيما يراه الآخرون فيه، أو فيما يستطيع أن يحققه من نفوذ ومكانة.

ومن هذه الحرية الداخلية يولد معنى آخر من أعمق معاني التوحيد، هو السكينة. فالإنسان الذي تتعدد في داخله الغايات تتعدد معه أسباب القلق؛ يخشى فقدان ما يحب، ويقلق على ما يملك، ويطارد ما لا يملك، ويظل أسيرا لما يمكن أن يحدث غدا. أما حين يستقر المقصد الأعلى في قلبه، فإنه لا يفقد مشروعية الخوف أو الحذر، لكنه يتحرر من أن يتحولا إلى سلطان دائم على وجوده. فهو يسعى، ويخطط، ويأخذ بالأسباب، لكنه لا يجعل النتائج شرطا لطمأنينته.

وهنا يعود التوكل ليأخذ مكانه الطبيعي داخل البناء كله. فقد تعلم الإنسان بالتوكل أن يتحرك في العالم دون أن يعلق قلبه بالأسباب، ويأتي التوحيد ليكشف له الأساس الأعمق لهذا التوازن، وهو أن الأسباب لا تستقل بذاتها، وأن الإنسان مهما بلغت قدرته يظل محدودا، وأن الاعتراف بهذا الحد ليس ضعفا، بل تحرير للروح من وهم السيطرة المطلقة. ومن هنا تصبح السكينة ثمرة للوعي بالحدود، لا هروبا من المسؤولية.

وكذلك الرضا الذي بلغناه في مرحلة سابقة لا يعود حالة منفصلة، وإنما يظهر في أفق التوحيد باعتباره ثمرة من ثمار وحدة المقصد. فالإنسان قد لا يفهم كل ما يقع له، وقد لا يحب كل ما يمر به، لكنه يستطيع أن يظل متماسكا حين يدرك أن وجوده ليس متروكا للعبث، وأن ما يجهل حكمته لا يلزم أن يكون خاليا من الحكمة. وهكذا يتحول الرضا من مجرد سكون أمام ما وقع إلى ثقة أعمق بمعنى الوجود، دون أن يتحول إلى استسلام للظلم أو تعطيل للفعل.

وإذا كان التوحيد يحرر الإنسان من عبودية الأشياء، فإنه لا يدفعه إلى احتقارها. وهذه نقطة جوهرية؛ لأن التحرر من العالم لا يعني الهروب منه، كما أن عدم عبادة الأشياء لا يعني عدم الانتفاع بها. فالإنسان الموحد يعيش في العالم، ويعمل فيه، ويبني ويزرع ويتعلم ويحب ويعطي، لكنه لا يجعل شيئا من ذلك غاية مطلقة تستولي على قلبه.

وهنا يظهر الوجه الحضاري للتوحيد، فحين لا يصبح المال إلها، لا تتحول الحياة إلى سوق للإنسان؛ وحين لا تصبح القوة غاية، لا يتحول الآخر إلى مادة للاستغلال؛ وحين لا تصبح الشهرة معيارا للقيمة، لا يتحول الإنسان إلى أسير لنظرة الجمهور؛ وحين لا تصبح المنفعة المعيار الوحيد، يبقى للعدل والرحمة والكرامة مكان في حياة الناس.

ومن هنا فإن التوحيد لا يحرر الإنسان من الداخل فقط، وإنما يؤسس لإعادة النظر في علاقته بالآخر. فالذي لا يرى في نفسه عبدا إلا لله لا يحتاج إلى استعباد غيره لكي يشعر بقيمته، ولا يحتاج إلى إذلال الآخر ليحصل على الشعور بالتفوق. وكلما استقرت وحدة المقصد في قلبه، صار أكثر قدرة على الاعتراف بكرامة الآخرين، وأكثر استعدادا للعدل معهم، لأن الإنسان عنده لا يتحول إلى وسيلة لتحقيق غاية شخصية.

وهنا تتصل الحرية بالتوحيد اتصالا عميقا. فالحرية الحقيقية ليست أن يتحرر الإنسان من كل قيد، وإنما أن يتحرر من القيود التي تستعبده من الداخل. فقد يكون الإنسان حرا في الحركة، لكنه عبد لشهوته؛ وقد يكون مستقلا في قراره، لكنه أسير لرضا الناس؛ وقد يمتلك الكثير، لكنه لا يستطيع أن يفقد شيئا دون أن ينهار. أما التوحيد فيمنح الإنسان نوعا أعمق من الحرية، وهو أن يسترد مركزه الداخلي، وألا يجعل أي شيء من الأشياء المحدودة مطلقا في حياته.

ومن هنا تتكامل الحرية مع المعرفة، فالمعرفة كشفت للإنسان حقيقة ذاته وحدوده، والتوحيد وضع هذه المعرفة في إطار غائي يجعلها أكثر اتساقا. فلم تعد المعرفة وسيلة للسيطرة على العالم، بل وسيلة لفهمه وإعمار الحياة فيه. ولم تعد قوة العقل مبررا للاستعلاء، بل أمانة تستوجب المسؤولية. وهكذا تتحول المعرفة من مجرد قدرة إلى حكمة، لأن الحكمة هي أن يعرف الإنسان ليس فقط ما يستطيع أن يفعله، وإنما ما ينبغي له أن يفعله.

وتعود المحبة هنا أيضا إلى موقعها الأصيل. فإذا كانت المحبة قد وحدت القلب، فإن التوحيد ينقي هذه الوحدة من كل ما يمكن أن ينافس المحبوب الأعلى. وبذلك لا تصبح محبة الوالدين والأبناء والوطن والناس والجمال والعلم منافسة لمحبة الله، بل تأخذ قيمتها من انتظامها في أفق أوسع. فيحب الإنسان الأشياء دون أن يستعبد لها، ويحب الناس دون أن يجعلهم آلهة صغيرة في قلبه، ويحب الجمال دون أن ينسى مصدر الجمال، ويحب الخير لأنه يرى فيه أثرا من المعنى الذي يتجه إليه وجوده.

وهنا يكتسب الجمال في الرحلة معناه النهائي، فقد بدأ الإنسان يتذوق الجمال في التجربة، ثم أدركه في المحبة، ثم أخذ يتأمل معانيه في المعرفة، حتى يصل في التوحيد إلى إدراك أن الجمال المتفرق في العالم لا يستقل عن مصدر الجمال. فلا يعود الجمال مجرد لذة حسية، وإنما يصبح بابا من أبواب التأمل في المعنى، ودافعا إلى الارتقاء من الجميل المحدود إلى الجمال المطلق.

وكذلك الكمال؛ فالإنسان لا يبلغ الكمال المطلق، ولا يمكن لوجود محدود أن يحيط بما هو مطلق، لكن التوحيد يعيد تعريف الكمال الإنساني نفسه. فالكمال ليس أن يصبح الإنسان مكتفيا بذاته، وإنما أن يعرف افتقاره، ويعرف موضعه، ويستقيم في إرادته، ويتحرر من عبودية ما سوى الله، ويجعل ما أوتي من قدرة وعلم ومحبة وخير وسيلة للعمران والإحسان.

وبهذا يصبح الكمال الإنساني كمالا في الاتجاه قبل أن يكون كمالا في الامتلاك. فالإنسان قد لا يبلغ كل ما يريد، لكنه يستطيع أن يستقيم في ما يريد؛ وقد لا يحيط بكل المعرفة، لكنه يستطيع أن يجعل طلب المعرفة طريقا إلى الحكمة؛ وقد لا يستطيع تغيير العالم كله، لكنه يستطيع أن يجعل وجوده فيه أكثر عدلا ورحمة وجمالا.

وهنا تكتمل صورة التوحيد باعتباره غاية للوجود الإنساني، إنه لا يجعل الإنسان إلها على العالم، ولا يجعله كائنا منفصلا عنه، وإنما يعيده إلى موقعه الصحيح؛ إنسانا حرا من العبودية لغير الله، مسؤولا عن وجوده، أمينا على ما أوتي من نعم، ومتحركا في العالم بوعي الغاية.

ومن هذه النقطة نستطيع أن نعود إلى الرحلة كلها لنكتشف أن كل مرحلة من مراحلها لم تكن منفصلة عن الأخرى. فالعمر كان أول تنبيه إلى أن الوجود الإنساني محدود، وأن قيمة الحياة لا تقاس بطولها وإنما بما يتحقق فيها من معنى.

ثم جاء الألم ليوقظ الإنسان من وهم الحياة السهلة، ويكشف له أن الوجود لا يخلو من امتحان، وأن الألم يمكن أن يتحول من جرح إلى سؤال.

ثم جاء الصبر ليعلمه كيف يحتمل ثقل الطريق دون أن ينكسر، وكيف يحول الإرادة من انفعال عابر إلى قدرة على الثبات.

وجاء التوكل ليعلمه أن السعي لا يناقض الاعتماد على الله، وأن الإنسان يستطيع أن يتحرك بكل طاقته دون أن يحمل نفسه وهم التحكم في النتائج.

ثم جاء الرضا ليمنح النفس سكينة أمام ما لا تستطيع تغييره، ويعلمها أن السلام الداخلي لا يعني غياب الألم، وإنما القدرة على ألا يتحول الألم إلى اعتراض دائم على معنى الوجود.

ثم جاءت المحبة، فانتقلت الرحلة من احتمال الحياة إلى اكتشاف ما يجعل الحياة جديرة بأن تعاش؛ إذ وحدت القلب، وأورثته الأنس والقرب، وجعلت الإنسان يتجاوز حدود ذاته نحو محبوب يتطلع إليه.

ثم جاءت المعرفة، فلم تترك المحبة في حدود الوجدان، وإنما منحتها البصيرة، وكشفت للإنسان أن الحب يحتاج إلى معرفة، وأن المعرفة الحقيقية لا تكتمل إلا حين تتحول إلى وعي يغير صاحبه.

ثم جاء التوحيد، لا ليضيف مدرجا منفصلا إلى ما سبق، وإنما ليكشف وحدة الطريق كله.

إن هذه المدارج لم تكن إلا صورا متعددة لرحلة واحدة، رحلة الإنسان من التشتت إلى الوحدة، ومن الغفلة إلى الوعي، ومن الألم إلى المعنى، ومن الخوف إلى السكينة، ومن التعلق إلى الحرية، ومن المحبة إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى التوحيد.

فالتوحيد هو الذي يكشف أن العمر لم يكن مجرد امتداد زمني، وأن الألم لم يكن مجرد وجع، وأن الصبر لم يكن مجرد احتمال، وأن التوكل لم يكن مجرد تسليم، وأن الرضا لم يكن مجرد سكون، وأن المحبة لم تكن مجرد عاطفة، وأن المعرفة لم تكن مجرد إدراك. لقد كانت جميعها طرائق يتشكل بها الإنسان في طريق عودته إلى الغاية التي من أجلها وجد.

ومن هنا فإن التوحيد لا يغلق باب الرحلة، بل يفتح للإنسان معنى جديدا للحياة، فبعد أن تتوحد الغاية، يستطيع الإنسان أن يعود إلى عمره فيعي قيمته، وإلى ألمه فيفهم درسه، وإلى صبره فيرى ثمرته، وإلى توكله فيستعيد طمأنينته، وإلى رضاه فيجد سكينته، وإلى محبته فيراها أكثر نقاء، وإلى معرفته فيجعلها أكثر تواضعا وحكمة.

وهكذا يعود الإنسان إلى العالم، لكنه لا يعود إليه كما كان، إنه يعود إليه وهو أكثر وعيا بحدوده، وأكثر تحررا من عبوديته، وأكثر قدرة على محبته، وأكثر مسؤولية عن إصلاحه.

وهنا يلتقي التوحيد بالكمال والجمال في أعمق نقطة من نقاط الرحلة، فالكمال ليس بلوغ الإنسان منزلة لا نقص فيها، وإنما أن يبلغ من النضج ما يجعله يعرف حقيقته وحدوده وغايته. والجمال ليس مجرد ما تراه العين أو تستحسنه النفس، وإنما أن يصبح الوجود الإنساني نفسه قادرا على إنتاج الجمال من خلال الخير والعدل والمحبة والحكمة.

ومن ثم فإن الإنسان لا يكتمل بكثرة ما يملك، ولا بكثرة ما يعرف، ولا بطول ما يعيش، وإنما بقدر ما تتوحد في داخله الغاية التي من أجلها يعيش.

وهنا نعود إلى حيث بدأنا، إلى العمر، إذ بدأنا بالسؤال عن عمر الإنسان، لأن العمر هو الوعاء الذي تجري فيه الرحلة. وانتهينا إلى التوحيد، لأن التوحيد هو الذي يمنح هذا العمر وجهته ومعناه. وبين البداية والنهاية مر الإنسان بالألم، والصبر، والتوكل، والرضا، والمحبة، والمعرفة، حتى اكتشف أن الزمن وحده لا يصنع قيمة الحياة، وأن قيمة الحياة تتحدد بما يودعه الإنسان في الزمن من معنى.

فالعمر بلا غاية امتداد، والألم بلا وعي جرح، والصبر بلا معنى احتمال، والتوكل بلا فهم استسلام، والرضا بلا بصيرة خمود، والمحبة بلا معرفة تعلق، والمعرفة بلا غاية تراكم. أما حين تنتظم هذه كلها في وحدة المقصد، فإنها تتحول إلى رحلة إنسانية نحو الكمال والجمال.

فالإنسان الذي عرف أن وجوده ليس عبثا، وأن عمره ليس ملكا مطلقا له، وأن آلامه يمكن أن توقظ وعيه، وأن صبره يهذب إرادته، وأن توكله يحرره من وهم السيطرة، وأن رضاه يمنحه السكينة، وأن محبته تفتح قلبه، وأن معرفته تنير بصيرته، ثم وحد غايته في الله؛ هذا الإنسان لا يكون قد أنهى رحلة وجوده، وإنما يكون قد بدأ يعيشها على بصيرة.

ومن هنا يكون التوحيد غاية الرحلة لا نهايتها؛ لأن الإنسان حين تتوحد غايته لا يتوقف عن السير، وإنما يتوقف عن التيه. ويصبح العمر بعد ذلك فرصة، والألم درسا، والصبر قوة، والتوكل طمأنينة، والرضا سكينة، والمحبة أنسا وقربا، والمعرفة بصيرة، ويصبح الوجود كله مجالا تتجلى فيه معاني الكمال والجمال.

وهكذا يكتمل القوس الذي بدأ بالعمر وانتهى بالتوحيد، من سؤال الإنسان عن معنى وجوده إلى اكتشاف الغاية التي تمنح وجوده معناه، ومن تفرق المقاصد إلى وحدة المقصد، ومن ظلمة الغفلة إلى نور البصيرة، ومن اضطراب النفس إلى سكينتها، ومن التعلق بما يفنى إلى التوجه إلى من له البقاء والكمال والجمال.

ذلك هو الإنسان حين يسترد وحدة وجوده؛ لا يخرج من العالم، ولا يتعالى عليه، وإنما يعيش فيه بقلب متصل بالغاية، وعقل مستنير بالمعرفة، وإرادة متحررة من العبودية لغير الله، ونفس تتذوق من الكمال والجمال بقدر ما تستطيع، حتى يصبح وجوده نفسه شهادة حية على أن أسمى صور اكتمال الإنسان ليست في أن يمتلك العالم، وإنما في أن يعرف لمن ينتمي، ولماذا يعيش، وإلى أين يتجه.

وهنا لا تنتهي الرحلة.. بل يبدأ الإنسان، للمرة الأولى، في السير وهو يعرف الطريق.

خاتمة الرحلة:

وهكذا، ومع بلوغنا آخر حلقات رحلة الوجود الإنساني التي حملت عنوان "الوجود الإنساني ومدارج الكمال والجمال- قراءة فلسفية وروحية"، والتي عرضناها في صورة مقالات متتابعة، نستطيع أن نقول إن هذه الرحلة، كما تكشفت لنا عبر مدارجها، لم تكن بحثا عن حياة تخلو من الألم، ولا سعيا إلى كمال يستقر فيه الإنسان استقرارا نهائيا، وإنما كانت بحثا عن المعنى الذي يجعل الإنسان قادرا على أن يحيا وجوده بوعي، وأن يحول محدوديته إلى مجال للنضج، وتجربته إلى طريق للمعرفة، وحركته في العالم إلى سعي يستمد غايته من مقصد أعلى. فمنذ اللحظة الأولى، كان العمر أكثر من مجرد امتداد زمني؛ كان أمانة ووعاء للمعنى، وكانت قيمته لا تقاس بعدد أيامه، وإنما بما يودعه الإنسان فيها من عمل وخير ومعرفة وأثر. وحين ينكشف للإنسان أن الزمن لا يعود، يبدأ وعيه الحقيقي بوجوده، ويغدو السؤال عن كيفية العيش أعمق من مجرد الرغبة في إطالة الحياة.

ثم يأتي الألم ليكشف الوجه الآخر لهذا الوجود؛ فيخرج الإنسان من وهم الاكتفاء والقوة المطلقة إلى وعي الحاجة والحدود. وليس معنى ذلك أن الألم خير في ذاته، وإنما أن التجربة الإنسانية قادرة، حين تستقبل الألم بوعي، على أن تحول الجرح إلى سؤال، والسؤال إلى معرفة، والمعرفة إلى حكمة. وفي هذه النقطة تحديدا يبدأ الإنسان في اكتشاف أن قيمة التجربة لا تتحدد بما يقع له وحده، وإنما بما يصير إليه من خلالها. ومن هنا كان الألم إمكانا من إمكانات الارتقاء، لا لأنه مطلوب، وإنما لأن الإنسان يستطيع أن يمنحه معنى يتجاوز وجعه المباشر.

غير أن الألم وحده لا يصنع الارتقاء؛ إذ يحتاج الإنسان إلى قدرة تحفظ له توازنه أمام ما لا يستطيع دفعه، وهنا يتشكل الصبر بوصفه تربية للإرادة ومصالحة واعية مع الزمن. فالصبر لا يلغي الألم، ولا يطلب من الإنسان أن يتجرد من مشاعره، وإنما يمنحه القدرة على ألا تتحول هذه المشاعر إلى قوة تستبد بوجوده. وبالصبر يتعلم الإنسان أن المعنى لا يظهر دائما في اللحظة التي تقع فيها الأحداث، وأن بعض الحقائق لا تنضج إلا بمرور الزمن، وأن الثبات ليس سكونا، بل استمرار في السير مع بقاء الوجهة.

ثم يتقدم الإنسان من الثبات إلى الحركة، ومن احتمال ما يقع إلى حسن التعامل مع ما لا يملك نتائجه، فيولد التوكل بوصفه توازنا بين حركة الإرادة وطمأنينة القلب. وهنا يتعلم الإنسان أن مسؤوليته تكمن في صدق السعي وإحكام العمل، لا في امتلاك النتائج. فالتوكل لا ينتقص من الإرادة، وإنما يحررها من وهم السيطرة المطلقة؛ ولا يدعو إلى ترك الأسباب، وإنما إلى ألا تتحول الأسباب إلى معبودات خفية تستولي على القلب. وبذلك يستعيد الإنسان قدرته على الفعل دون أن يجعل مصيره النفسي رهنا بما يحققه فعله من نتائج.

ومن التوكل تنشأ السكينة التي تتعمق في مقام الرضا. وهنا لا يتغير العالم بالضرورة، وإنما تتغير علاقة الإنسان به. فالرضا لا يعني قبول الظلم أو تعطيل الإصلاح، وإنما يعني أن يميز الإنسان بين ما يقع داخل دائرة مسؤوليته وما يتجاوز قدرته، فيبذل وسعه فيما يستطيع، ويسلم ما لا يستطيع إلى حكمة الله. وبهذا يتحرر من الصراع المستنزف مع ما لا يملك تغييره، ويتفرغ لما يستطيع أن يصنعه. فالرضا ليس انطفاء للإرادة، بل اتزانها؛ وليس خمودا للنفس، بل انتقالا بها من مقاومة الواقع بوصفه واقعا إلى فهمه في أفق أوسع من اللحظة.

لكن السكينة لا تستنفد إمكانات الوجود الإنساني؛ إذ إن الإنسان لا يكتفي بأن يسكن إلى ما هو كائن، بل يبحث عما يستحق أن يتجه إليه. وهنا تظهر المحبة باعتبارها القوة التي تنقل الإنسان من مجرد احتمال الحياة إلى اكتشاف ما يجعلها جديرة بأن تعاش. فالمحبة تجمع ما تفرق في القلب، وتمنح الإرادة وجهة، وتجعل الإنسان يتجاوز حدود ذاته نحو ما يراه أكمل وأجمل وأحق بالتعلق. وحين تتجه المحبة إلى الله، لا تعود مجرد انفعال وجداني، وإنما تصبح قوة تعيد ترتيب علاقة الإنسان بكل محبوباته، فتتحول الأشياء من غايات تستعبد القلب إلى موجودات تأخذ قيمتها في ضوء الغاية الأعلى.

ومن المحبة تفتح المعرفة أبوابها؛ لأن القلب الذي وجد وجهته يحتاج إلى بصيرة تهديه، ولأن التعلق بالحقيقة لا يكتمل إلا بالسعي إلى إدراكها. وهنا تنتقل الرحلة من حرارة الوجدان إلى نور البصيرة، ومن امتلاك المعلومات إلى اكتشاف المعنى. فالمعرفة الحقيقية ليست ما يزداد في الذهن فحسب، وإنما ما يتغير في الإنسان بسبب ما عرف. ولذلك كانت المعرفة في أفق هذه الرحلة تحولا في الوعي قبل أن تكون تراكما في المعلومات؛ فهي التي تجعل الإنسان يرى ذاته في حدودها، والعالم في دلالاته، والجمال وراء مظاهره، والكمال وراء صوره الجزئية. وكلما اتسعت المعرفة الحقيقية، ازداد الإنسان تواضعا أمام الحقيقة، لأن انكشاف بعض الحقيقة يكشف في الوقت نفسه اتساع ما يجهله الإنسان.

وعند هذا الحد تبدأ المدارج كلها في الكشف عن وحدتها الداخلية. فالعمر علم الإنسان أن وجوده محدود، والألم كشف له هشاشته، والصبر هذب إرادته، والتوكل حرره من وهم السيطرة، والرضا منحه السكينة، والمحبة وحدت وجهة قلبه، والمعرفة أنارت بصيرته. ولم تكن هذه تحولات منفصلة، وإنما كانت حركات متتابعة في اتجاه واحد: من التشتت إلى الجمع، ومن الغفلة إلى الوعي، ومن الانفعال إلى البصيرة، ومن التعلق المتفرق إلى وحدة المقصد. ولهذا لم يكن التوحيد إضافة إلى الرحلة، بل كان انكشافا لمعناها الكامن منذ بدايتها.

فالتوحيد، في أفق الوجود الإنساني، لا يقف عند حدود المعرفة الذهنية بوحدانية الله، على جلالة هذه الحقيقة وأصلها، وإنما يتجاوزها إلى أن تصبح الوحدة مبدأ ناظما للوجود كله. إنه أن تتحرر الإرادة من التشتت، والقلب من الاستعباد، والعقل من الغرور، وأن تستعيد الأشياء مواضعها الصحيحة في حياة الإنسان. فلا يصبح المال غاية، ولا المكانة معيارا للقيمة، ولا الشهرة مصدرا للمعنى، ولا المعرفة وسيلة للاستعلاء، ولا المحبة الجزئية بديلا عن المحبوب الأعلى. وبذلك لا يلغي التوحيد كثرة العالم، وإنما يكشف وحدتها في المقصد والمعنى.

ومن هنا تتضح إحدى أعمق نتائج الرحلة: أن الإنسان لا يتحرر حين يتخلص من كل تعلق، وإنما حين يعرف ما الذي يستحق أن يكون غايته العليا. فالحرية ليست غياب القيود فحسب، وإنما التحرر من أن تتحول الأشياء المحدودة إلى غايات مطلقة. وحين تتوحد الغاية، تستقيم الإرادة، ويهدأ القلق، وتتحول المعرفة إلى حكمة، والمحبة إلى صفاء، والسكينة إلى قوة على العمل، ويصبح الإنسان أكثر قدرة على العودة إلى العالم دون أن يصبح عبدا له.

وهنا يتكشف معنى الكمال الإنساني على نحو مختلف. فالكمال ليس بلوغ حالة مطلقة لا نقص فيها، فهذا مما يتجاوز طبيعة الوجود الإنساني المحدود، وإنما هو استقامة الإنسان في اتجاهه، وصدق حركته نحو الغاية التي تمنح وجوده معناه. قد يخطئ، ويتعثر، ويضعف، وقد لا يبلغ من المعرفة إلا بعضا، ولا يستطيع أن يغير من العالم إلا قدرا محدودا، لكنه يستطيع أن يظل سائرا في الاتجاه الصحيح. ومن ثم فإن الكمال الإنساني ليس كمال الامتلاك، وإنما كمال التوجه؛ وليس أن يصبح الإنسان مكتفيا بذاته، وإنما أن يعرف حقيقته وحدوده وافتقاره، وأن يجعل ما أوتي من عقل وإرادة ومحبة ومعرفة وسائل للخير والعمران والإحسان.

وكذلك الجمال لا يعود مجرد صفة في الأشياء أو لذة تستقبلها الحواس، وإنما يصبح قيمة تتجسد في طريقة الإنسان في الوجود. فحين تتحول المعرفة إلى حكمة، والإرادة إلى مسؤولية، والمحبة إلى رحمة، والحرية إلى عدل، والقدرة إلى أمانة، يصبح الإنسان نفسه قادرا على إنتاج الجمال في العالم. وهكذا ينتقل الجمال من أن يكون شيئا يتأمله الإنسان إلى أن يصبح شيئا يشارك في صناعته.

ولذلك فإن التوحيد، وإن كان غاية الرحلة، ليس نهايتها بمعنى توقف السير؛ إنه اكتمال الاتجاه. فالإنسان بعد التوحيد لا يغادر الحياة، وإنما يعود إليها بوعي آخر. يعود إلى عمره فيدرك قيمته، وإلى ألمه فيستخرج منه معناه، وإلى صبره فيرى فيه قوة الإرادة، وإلى توكله فيستعيد طمأنينته، وإلى رضاه فيجد فيه سكينة القلب، وإلى محبته فيجعلها أكثر صفاء، وإلى معرفته فيجعلها أكثر تواضعا وحكمة. إنه يعود إلى العالم، لكنه لا يعود إليه كما كان؛ لأن العالم لم يعد غاية تستعبده، بل أمانة يتحمل مسؤوليتها.

وهكذا يتبين أن رحلة الوجود الإنساني تبدأ من الوعي بأن العمر محدود، وتنفتح عبر الألم والصبر والتوكل والرضا على تهذيب الإرادة وتطهير القلب، ثم تتسع بالمحبة والمعرفة حتى تبلغ وحدة المقصد في التوحيد. وما بين البداية والغاية لا يكون الإنسان مجرد كائن يعبر الزمن، بل كائنا يصنع من عبوره معنى، ومن تجربته وعيا، ومن وعيه بصيرة، ومن بصيرته سلوكا، ومن سلوكه أثرا.

وفي النهاية، لا يكون السؤال الأهم: كم عاش الإنسان؟ ولا كم عرف؟ ولا كم امتلك؟ وإنما: في أي اتجاه عاش، ولأي غاية وجه قلبه وعقله وإرادته؟ فالعمر بلا غاية امتداد، والألم بلا وعي جرح، والصبر بلا معنى احتمال، والتوكل بلا فهم استسلام، والرضا بلا بصيرة خمود، والمحبة بلا معرفة تعلق، والمعرفة بلا غاية تراكم. أما حين تنتظم هذه كلها في وحدة المقصد، فإن الوجود الإنساني يتحول من مجرد حياة تمر إلى رحلة لها معنى، ومن تعدد مشتت إلى وحدة واعية، ومن البحث عن الكمال إلى الاستقامة في طريقه.

وهنا لا تنتهي الرحلة، بل ينكشف معناها؛ إذ يصبح التوحيد غاية يتجه إليها الإنسان، ومعنى يعود به إلى الحياة، ونورا يعيد قراءة كل ما سبق في ضوئه. فليس اكتمال الوجود أن يبلغ الإنسان نهاية الطريق، وإنما أن يعرف وجهته، وأن يستقيم في السير إليها، وأن يجعل من عمره المحدود مجالا للخير، ومن معرفته سبيلا إلى الحكمة، ومن محبته بابا إلى القرب، ومن وجوده نفسه شاهدا على أن أجمل ما في الإنسان ليس ما يملك، بل ما يتجه إليه.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

Address

جمال عبد الناصر/مجمع الكليات
Shebin Al-Kom

Opening Hours

Monday 9am - 5pm
Tuesday 9am - 5pm
Wednesday 9am - 5pm
Thursday 9am - 5pm
Sunday 9am - 5pm

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when قسم الفلسفة - كلية الآداب جامعة المنوفية - الصفحة الرسمية posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The University

Send a message to قسم الفلسفة - كلية الآداب جامعة المنوفية - الصفحة الرسمية:

Shortcuts

Share