قسم الفلسفة - كلية الآداب جامعة المنوفية - الصفحة الرسمية

  • Home
  • Egypt
  • Shebin al-Kom
  • قسم الفلسفة - كلية الآداب جامعة المنوفية - الصفحة الرسمية

قسم الفلسفة - كلية الآداب جامعة المنوفية - الصفحة الرسمية النافذة الإعلامية الرسمية لقسم الفلسفة بكلية الآداب ج?

--  # # 📚 **سلسلة التعريف بالمجلات الدولية ****من خدمات وحدة النشر العلمي – كلية الآداب، جامعة المنوفية** 🎓✨استمراراً لج...
15/08/2026

--
# # 📚 **سلسلة التعريف بالمجلات الدولية **

**من خدمات وحدة النشر العلمي – كلية الآداب، جامعة المنوفية** 🎓✨

استمراراً لجهود وحدة النشر العلمي في دعم الباحثين وأعضاء هيئة التدريس ونشر أبحاثهم في أرفع المجلات المعتمدة دولياً، نسلط الضوء اليوم على إحدى أرفع المجلات المصنفة في أعلى الفئات العالمية (**Q1**):

# # # 🏛️ **مجلة: Jurnal Studi Ilmu-ilmu Al-Qur'an dan Hadis**

*(مجلة دراسات علوم القرآن والحديث)*

تُعد هذه المجلة خياراً مثالياً للراغبين في النشر بمجلة دولية مرموقة تحمل **تصنيف Q1** في تخصصها، وتتيح نشر البحوث باللغة العربية إلى جانب الإنجليزية والإندونيسية.

# # # 📊 **بطاقة تعريف المجلة:**

* 🔹 **رابط المجلة:** [Jurnal Studi Ilmu-ilmu Al-Qur'an dan Hadis](https://ejournal.uin-suka.ac.id/ushuluddin/alquran/)
* 🔹 **جهة الصدور:** كلية أصول الدين والدين المقارن - جامعة سونان كاليجاكا الإسلامية الحكومية بـ (جوغجاكارتا) – إندونيسيا.
* 🔹 **التصنيف والتصنيف الدولي:**
* **الفئة / الربيع الأول (Q1 Top Tier):** حاصلة على **الترتيب الأول (Q1)** في مؤشر SCImago / Scopus للترتيب والأثر الأكاديمي.
* مفهرسة رسمياً في قاعدة بيانات **Scopus** العالمية.
* مفهرسة أيضاً في (DOAJ) و(Sinta 1) و(Google Scholar).

* 🔹 **التخصص الدقيق:**
* دراسات القرآن الكريم وتفاسيره (القديمة والمعاصرة).
* علوم الحديث الشريف والدراسات النقدية والتحليلية.
* المناهج النصية والسياقية والدراسات البينية المتعلقة بالقرآن والحديث.

* 🔹 **دورية الصدور:** مجلة نصف سنوية (تُصدر عددين في السنة).
* 🔹 **رسوم النشر (APC):**
* **تقديم البحث:** مجاني.
* **رسوم المعالجة والنشر:** تُحدد بعد القبول النهائي للبحث طبقاً لسياسة [Publication Fees](https://ejournal.uin-suka.ac.id/ushuluddin/alquran/) المعلنة في موقع المجلة.

* 🔹 **لغات المقبول بها للنشر:** العربية - الإنجليزية - الإندونيسية.

---💡 **لماذا ينصح بالنشر في هذه المجلة؟**

1. **تصنيف Q1 المرموق:** يمنح بحثك وزناً أكاديمياً وعلمياً رفيعاً جداً في الترقية والمحافل الدولية.
2. **التخصص الأكاديمي الدقيق:** الجمع بين الأصالة الشرعية والمناهج المعاصرة في علوم القرآن والحديث.
3. **الوصول الحر (Open Access):** يتيح قراءة وتحميل بحثك عالمياً مجاناً، مما يضاعف من معدل الاستشهاد بها (Citations).

📲 **للاستفسار والتواصل:**
تفضلوا بزيارة مقر وحدة النشر العلمي بالكلية لمساعدتكم في خطوات النشر والتواصل مع إدارة المجلة

الوعي الكمومي ... قبول دراستين جديدتين  للنشراد صلاح عثمان استاذ المنطق وفلسفة العلوم هل العالم مجرد صناعة ذهنية تصوغها ...
13/08/2026

الوعي الكمومي ... قبول دراستين جديدتين للنشر
اد صلاح عثمان استاذ المنطق وفلسفة العلوم
هل العالم مجرد صناعة ذهنية تصوغها طرائق إدراكنا؟

يُعد سؤال الوعي واحدًا من أكثر الأسئلة استعصاءً على العقل الإنساني، وأشدها مراوغة في الفلسفة والعلم على حدٍ سواء؛ فكلما اتسعت آفاق المعرفة العلمية، وتقدمت علوم الأعصاب والإدراك والنفس والفسيولوجيا، وارتقت تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتعاظمت قدرة الفيزياء على سبر بنية العالم، ظل السؤال الأول حاضرًا بقوة: كيف تنبثق الخبرة الذاتية الواعية داخل الدماغ المادي؟ وهل الوعي مجرد ثمرة لعمليات فيزيائية يمكن الإحاطة بها، أم أنه يتجاوز حدود النماذج العلمية الراهنة، ويكشف عن بُعدٍ للوجود لم تبلغه أدوات التفسير والمحاكاة؟

في العقود الأخيرة، اكتسبت هذه الإشكالية أفقًا جديدًا مع بروز ما اصطلح على تسميته «نماذج الوعي الكمومي»، وهي مقاربات سعت إلى استلهام مفاهيم فيزياء الكوانتم لتشييد تصور مغاير لطبيعة الوعي ومنشأه. وقد تباينت هذه النماذج في منطلقاتها ونتائجها؛ فمنها ما رد الوعي إلى عملياتٍ كمومية مفترضة داخل البنية العصبية للدماغ، ومنها ما ارتقى به إلى مرتبةٍ كونية، جاعلاً إياه بُعدًا أصيلًا من أبعاد بنية الواقع ذاته. وفي المقابل، رأى عدد من الباحثين أن كثيرًا من هذه التصورات يتجاوز ما تعكسه الشواهد التجريبية، وينزلق من دائرة التفسير الفيزيائي إلى فضاءات التأمل الفلسفي أو الافتراض الميتافيزيقي.

على هذا النحو، لم يعد النقاش حول الوعي الكمومي مجرد خلافٍ في الفيزياء أو علوم الأعصاب، بل غدا ملتقىً تتشابك فيه الفيزياء النظرية، وعلوم الأعصاب والإدراك، والإبستمولوجيا، وفلسفة العقل، والميتافيزيقا، بل وتمتد أصداؤه إلى الدراسات الدينية وتساؤلات الإنسان الكبرى. ولعل هذا التشابك هو ما جعل مسألة الوعي من أعقد مسائل الفكر المعاصر وأكثرها ثراءً؛ لا سيما فيما يتعلق بالحدود الفاصلة بين التفسير العلمي والتأويل الفلسفي، وأهمية الملاحظة في بناء المعرفة، وطبيعة الواقع في ذاته، وما إذا كان الوعي مجرد نتاجٍ له، أم عنصرًا أصيلًا في تكوينه!

في هذا السياق، وبفضل الله تعالى أولاً وآخرًا، تم قبول دراستين لي للنشر في مجلتين أكاديميتين مرموقتين؛ حاولت فيهما تقديم قراءةٍ متوازنة للعلاقة بين الوعي وفيزياء الكوانتم؛ قراءة تتجنب من جهة الانبهار غير المُبرر بالتفسيرات الكمومية، وتتحفظ من جهة أخرى على النزعات الردَّية التي تتجاهل العُمق الفلسفي والبُعد الانبثاقي لمسألة الوعي. ولم تكن رحلتي في هاتين الدراستين مجرد تتبع لأدبيات فلسفة العلم في هذا المجال، بل كانت سعيًا لفهمٍ أعمق لنقطة التلاقي بين الفيزياء وفلسفة العقل، واستكشاف الحدود التي ينتهي عندها الطرح العلمي ويبدأ التأمل الفلسفي في «مشكلة الوعي الصعبة».

الدراسة الأولى جاءت بعنوان: «الوعي والواقع في ضوء فيزياء الكوانتم: قراءة فلسفية إبستمولوجية نقدية»

وقد قُبلت للنشر في مجلة الآداب والعلوم الاجتماعية الصادرة عن جامعة السلطان قابوس. وفيها ناقشت العلاقة المعقدة بين الوعي وبنية الواقع في ضوء التحولات الإبستمولوجية التي أحدثتها فيزياء الكوانتم، من خلال قراءة فلسفية نقدية تعيد النظر في مفاهيم الملاحظة والقياس والذات العارفة، مع التمييز بين ما تقوله الفيزياء بالفعل، وما يُبنى عليه من تأويلات فلسفية وميتافيزيقية.

أما الدراسة الثانية فعنوانها: «نماذج الوعي الكمومي المعاصرة: دراسة نقدية في حدود التفسير العلمي»

وقد قُبلت للنشر في المجلة العربية للعلوم الإنسانية الصادرة عن مجلس النشر العلمي بجامعة الكويت. وهي دراسة تحليلية نقدية لأبرز نماذج الوعي الكمومي المعاصرة، ناقشت فيها الأسس الفيزيائية والفلسفية لهذه النماذج في ضوء معايير إبستمولوجية نوعية، وحاولت تبيان حدود قدرتها التفسيرية، والفاصل المنهجي بين الفرضيات العلمية القابلة للاختبار، والتأويلات الفلسفية التي تتجاوز نطاق البرهنة التجريبية.

وإذا كان لهاتين الدراستين من قيمة، فأرجو أن تكون في محاولتهما الإسهام في ترسيخ نقاش علمي وفلسفي أكثر دقةً واتزانًا حول واحدة من أعقد قضايا الفكر المعاصر، وهي قضية لا تزال مفتوحة على مزيد من البحث، ولا تزعم أية مقاربة أنها امتلكت فيها الكلمة الأخيرة.

أحمد الله سبحانه وتعالى على فضله وتوفيقه، وأسأله أن يجعل هذا الجهد خالصًا لوجهه الكريم، وأن يكتب له القبول، وأن يجعله نافعًا للباحثين والمهتمين، وأن يرزقنا جميعًا الإخلاص في القول والعمل.
@متابعين @إشارة

صحيفة المُثقفأقلام فكريةاد أ.د. ياسر البتانوني : المعرفة الإنسانية بين نور البصيرة وأفق الحقيقة (1)د. ياسر البتانوني  13...
13/08/2026

صحيفة المُثقف
أقلام فكرية
اد أ.د. ياسر البتانوني
: المعرفة الإنسانية بين نور البصيرة وأفق الحقيقة (1)
د. ياسر البتانوني 13 آب/أغسطس 2026

إذا كانت المحبة قد جمعت شتات القلب، ووحدت وجهته، وأورثته أنس القرب، فإن الإنسان لا يستطيع أن يواصل ارتقاءه في مدارج الكمال والجمال بالمحبة وحدها، إذ لابد للقلب الذي أحب أن يستنير، وللروح التي ذاقت القرب أن تتسع بصيرتها، وللإنسان الذي وجد وجهته أن يعرف حقيقة ما اتجه إليه. ومن هنا تتولد المعرفة بوصفها ثمرة ناضجة للمحبة، ومدرجا جديدا في رحلة الوجود الإنساني، تنتقل فيه الذات من مجرد التعلق بالحقيقة إلى السعي في إدراكها، ومن حرارة الوجدان إلى نور البصيرة.

فالمعرفة ليست مجرد زيادة في المعلومات، ولا اتساعا في الذاكرة، ولا تراكم للمفاهيم في الذهن، وإنما هي تحول يحدث في طريقة الإنسان في رؤية نفسه والعالم والحقيقة. وقد يمتلك الإنسان كثيرا من المعلومات، ثم يبقى فقيرا في المعرفة؛ لأن المعرفة الحقيقية لا تقاس بمقدار ما نختزن من قضايا، وإنما بمقدار ما تغيره الحقيقة في وعينا وسلوكنا ووجودنا. فالعلم الذي لا ينفذ إلى أعماق الإنسان قد يوسع دائرة معلوماته، لكنه لا يوسع بالضرورة دائرة وعيه.

ومن هنا كانت المعرفة في أعمق معانيها فعلا من أفعال الوجود الإنساني؛ لأن الإنسان لا يكتفي بأن يكون موجودا، بل يسأل عن معنى وجوده، ولا يكتفي بأن يرى الأشياء، بل يبحث عما وراء ظواهرها، ولا يقنع بأن يعيش داخل العالم، بل يريد أن يفهم موقعه فيه، والغاية التي من أجلها وجد. وهذا السؤال هو الذي يميز الإنسان عن مجرد الوجود الطبيعي؛ إذ إن الإنسان كائن لا يعيش الواقع فحسب، وإنما يعيش أيضا في أفق السؤال عن الواقع ومعناه ومصيره.

ولذلك فإن المعرفة تمثل انتقالا من الوجود الذي يمر بالإنسان إلى الوجود الذي يعيه الإنسان. فالعمر يمنحه الزمن، والتجربة تمنحه الخبرة، والألم يوقظ فيه السؤال، والصبر يهذب إرادته، والتوكل يحرره من وهم السيطرة، والرضا يمنحه السكينة، والمحبة توحد وجهته، ثم تأتي المعرفة لتمنحه القدرة على النظر في كل ذلك بعين أكثر وعيا وبصيرة. وهكذا لا تظهر المعرفة في مشروعنا بوصفها عنصرا منفصلا عن المراحل السابقة، وإنما باعتبارها ثمرة طبيعية لتراكم الوعي الإنساني عبر هذه المدارج.

وإذا كانت المحبة قد علمت الإنسان أن قيمة الشيء لا تقاس بمجرد امتلاكه، وإنما بما يمثله من معنى في قلبه، فإن المعرفة تعلمه أن ما يحبه يحتاج إلى بصيرة تهديه في طريق التعلق به. فالمحبة بغير بصيرة قد تتحول إلى تعلق أعمى، والمعرفة بغير محبة قد تتحول إلى جفاف ذهني، أما حين يلتقي القلب والعقل، فإن المعرفة تتحول إلى نور، والمحبة تتحول إلى وعي، ويصبح الإنسان قادرا على أن يرى ما يحب رؤية أعمق، وأن يحب ما عرفه حبا أكثر نضجا واتزانا.

وهنا تتضح العلاقة العميقة بين المعرفة والمحبة؛ فالمحبة تفتح للإنسان باب المعرفة لأنها تدفعه إلى طلب محبوبه وفهمه والاقتراب من معناه، والمعرفة بدورها تعيد تشكيل المحبة، فكلما اتسعت بصيرة الإنسان بما يحب، تحررت محبته من الوهم، وصارت أكثر صفاء وتجردا. ولهذا لا ينبغي أن نفهم العلاقة بينهما باعتبارها علاقة سببية بسيطة تبدأ بالمحبة وتنتهي بالمعرفة، وإنما باعتبارها حركة ارتقاء متبادلة، تتغذى فيها المحبة من المعرفة، وتستنير المعرفة بالمحبة.

ومن هنا تصبح المعرفة أحد أهم مدارج الكمال والجمال في الوجود الإنساني. فهي من جهة كمال، لأنها ترتقي بالإنسان من الجهل إلى الوعي، ومن الغفلة إلى الانتباه، ومن اضطراب الرؤية إلى وضوحها، وتجعله أكثر قدرة على فهم ذاته وتوجيه إرادته واختيار غايته. وهي من جهة أخرى جمال، لأنها تكشف للإنسان ما وراء الظاهر من المعاني، وتمنحه القدرة على رؤية التناسق في الوجود، والجمال في الخلق، والحكمة في التجربة، حتى يصبح العالم بالنسبة إليه أكثر من مجرد أشياء متجاورة، بل شبكة من الدلالات التي تستحق التأمل.

لكن المعرفة لا تبلغ قيمتها الحقيقية إلا إذا تحولت من معرفة للشيء إلى معرفة تغير علاقة الإنسان بالشيء. فقد يعرف الإنسان معنى الصبر، ولا يكون صابرا، ويعرف معنى التوكل، ولا يطمئن، ويعرف معنى الرضا، ولا يسكن، ويتحدث عن المحبة دون أن يحب. ولذلك فإن المعرفة التي نريدها هنا ليست معرفة وصفية تقف عند حدود التعريف، وإنما معرفة وجودية تتجاوز السؤال: ماذا أعرف؟ إلى سؤال أعمق: ماذا صنعت المعرفة بي؟

فالمعرفة التي لا تغير صاحبها قد تكون حيازة ذهنية، أما المعرفة التي تعيد ترتيب دواخله فهي وعي. ومن هنا يمكن أن نقول إن الإنسان لا يرتقي بكثرة ما يعرف فقط، وإنما بقدر ما يتحول ما يعرفه إلى بصيرة، وما تدركه بصيرته إلى موقف، وما يتحول إلى موقف إلى سلوك، وما يستقر في السلوك إلى معنى يعيشه.

وهذا يفسر لماذا لم تكن المعرفة في التراث الإسلامي مجرد نشاط عقلي منعزل عن تزكية النفس. فالعقل في التصور الإسلامي ليس خصما للقلب، والقلب ليس بديلا عن العقل، وإنما كلاهما من أدوات الإنسان في طلب الحقيقة، متى تحررا من الهوى والغفلة. ولذلك كان العلم الذي يثمر خشية، والمعرفة التي تورث تواضعا، والفهم الذي يقود إلى العمل، أرفع من معرفة تكدس المعلومات ولا تغير صاحبها.

ومن هنا أيضا يمكن فهم المعرفة في التجربة الروحية باعتبارها انتقالا من معرفة الأشياء إلى معرفة المعنى، ومن النظر في العالم إلى النظر في الدلالة التي يكشفها العالم. فالإنسان قد ينظر إلى الكون بعين الحس، فيرى ظواهره، وقد ينظر إليه بعين العقل، فيدرك نظامه، ثم ينظر إليه بعين البصيرة، فيتجاوز النظام إلى الحكمة، ويتجاوز الحكمة إلى الدلالة على خالقها.

ولا يعني ذلك إلغاء المعرفة الحسية أو العقلية، بل يعني أن المعرفة الإنسانية تتسع كلما اتسعت أدوات الإنسان في النظر. فالحواس تمنحه مادة الإدراك، والعقل ينظمها ويفسرها، والبصيرة تمنحها أفقا من المعنى. وإذا اختزل الإنسان المعرفة في مستوى واحد منها، ضاق أفقه عن الإحاطة بحقيقة وجوده.

ولهذا فإن المعرفة في أرقى صورها ليست انفصالا عن العالم، وإنما هي عودة إليه بوعي جديد. فالإنسان العارف لا يهرب من الحياة، ولا يحتقر العالم، ولا يتخلى عن العقل، وإنما يرى الأشياء في مواضعها، ويمنح كل شيء قدره، ولا يجعل الوسيلة غاية، ولا الظاهر نهاية، ولا الجزئي بديلا عن الكلي.

وهنا تبرز قيمة المعرفة في إعادة بناء علاقة الإنسان بنفسه أيضا؛ إذ لا يستطيع الإنسان أن يعرف العالم دون أن يواجه سؤال ذاته. وكلما تعمقت معرفته بنفسه، أدرك حدود قدرته، واكتشف دوافعه الخفية، وتبين له مقدار ما يختلط في داخله من رغبات ومخاوف وأوهام. ومن هنا تصبح معرفة النفس مدخلا ضروريا إلى تحريرها، لأن الإنسان لا يستطيع أن يتجاوز ما لا يراه، ولا أن يصلح ما لا يعرفه.

ولهذا كانت المعرفة في جوهرها كشفا قبل أن تكون امتلاكا؛ كشفا للإنسان عن ذاته، وكشفا للعالم عن دلالاته، وكشفا للحقيقة عن أفقها. وكلما انكشف للإنسان شيء من الحقيقة، اكتشف في الوقت نفسه محدودية ما كان يظنه معرفة مكتملة. ومن هنا تنشأ إحدى أجمل خصائص المعرفة الحقيقية: أنها لا تورث الغرور، وإنما تورث التواضع؛ لأن العارف كلما اتسعت رؤيته، اتسع معها إدراكه لما يجهله.

وهكذا تهيئ المعرفة الإنسان لمرتبة أعمق من الوعي؛ مرتبة لا يعود فيها السؤال عن الحقيقة منفصلا عن السؤال عن الغاية، ولا يصبح إدراك النظام في الوجود منفصلا عن البحث عمن أقام هذا النظام، ولا يبقى النظر في الجمال مجرد تذوق، بل يتحول إلى سؤال عن مصدر الجمال، ولا يبقى إدراك الكمال مجرد إعجاب، بل يتحول إلى توق إلى الكمال المطلق.

ومن هنا يبدأ المعنى الأعمق للمعرفة في الظهور؛ فكلما ارتقى الإنسان في مدارجها، لم يعد غرضه أن يعرف أشياء أكثر، وإنما أن يرى الحقيقة رؤية أعمق، وأن يدرك موقع نفسه منها، وأن تتوحد لديه المعرفة والغاية، فيتحول السؤال من: ماذا أعرف؟ إلى: إلى أين تقودني هذه المعرفة؟

وهنا تحديدا تتهيأ المعرفة للانتقال من كونها ثمرة للمحبة إلى كونها طريقا يكشف للإنسان حقيقة المحبوب، ويمنحه من البصيرة ما يجعله أكثر استعدادا لإدراك وحدة المعنى وراء تعدد الموجودات.

وللحديث بقية في الجزء الثاني من المقال إن شاء الله..........

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

13/08/2026
ليست الفلسفة ترفًا فكريًا، بل هي صناعة للعقل وبناء للإنسان. فهي تعلمنا كيف نفكر قبل أن نحكم، وكيف نناقش قبل أن نختلف، وك...
06/08/2026

ليست الفلسفة ترفًا فكريًا، بل هي صناعة للعقل وبناء للإنسان. فهي تعلمنا كيف نفكر قبل أن نحكم، وكيف نناقش قبل أن نختلف، وكيف نبحث عن الحقيقة بعقل منفتح وروح متسامحة. ومن خلال دراسة الفلسفة يكتسب الطالب مهارات التفكير النقدي، والتحليل المنهجي، والحوار الواعي، واحترام التنوع، وهي قيم يحتاجها كل مجتمع يسعى إلى التقدم. فالفلسفة لا تُعدُّ خريجًا يحمل شهادة فحسب، بل تُسهم في إعداد إنسانٍ قادرٍ على فهم ذاته، واستيعاب واقعه، والمشاركة في بناء مستقبل أكثر وعيًا وإنسانية. وكما قيل: بناء الإنسان هو أعظم استثمار، والفلسفة من أهم أدوات هذا البناء.
اد. رضا خلاف
رئيس قسم الفلسفة

صحيفة المُثقفأ.د. ياسر البتانوني : المحبة الإنسانية بين أنس القرب ووحدة المقصدد آب/أغسطس 2026إذا كان الإنسان قد تعلم بال...
06/08/2026

صحيفة المُثقف

أ.د. ياسر البتانوني
: المحبة الإنسانية بين أنس القرب ووحدة المقصد
د آب/أغسطس 2026

إذا كان الإنسان قد تعلم بالصبر كيف يثبت أمام الابتلاء، وبالتوكل كيف يحسن السعي دون أن يستسلم لقلق النتائج، وبلغ بالرضا سكينة النفس أمام حكمة الوجود - كما بينا في المقالات السابقة - فإن رحلته لا تبلغ كمالها إلا بالمحبة. فالمحبة ليست مرتبة منفصلة عما سبقها، بل هي الثمرة التي تنضج في القلب بعد طول المجاهدة، وهي النور الذي يجمع ما تفرق من قوى الإنسان، فيوحد إرادته، ويهذب وجدانه، ويمنح وجوده وجهة واضحة لا يضل عنها.

فالإنسان لا يعيش بما يملك وحده، ولا بما يعلم وحده، وإنما يعيش في النهاية بما يحب. فالمحبة هي البوصلة التي توجه المعرفة، والإرادة، والعمل نحو الغاية التي يختارها الإنسان لنفسه. وما يحبه الإنسان هو الذي يشكل نظرته إلى الحياة، ويرسم اختياراته، ويحدد أولوياته، حتى ليغدو الإنسان، مع مرور الأيام، صورة لما استقر في قلبه من محبوبات. ومن هنا كانت المحبة أكثر من عاطفة عابرة أو ميل نفسي؛ إنها حقيقة من حقائق الوجود الإنساني، وقوة باطنة تمنح الحياة معناها، وتكشف للإنسان الغاية التي من أجلها يعيش ويسعى.

وإذا تأملنا المحبة في عمق الوجود الإنساني، وجدناها ليست مجرد استجابة وجدانية، وإنما هي حركة وجودية تدفع الإنسان دائما إلى تجاوز حدود ذاته. فهو لا يكتفي بما هو كائن، بل يتطلع إلى ما يراه أكمل، وأجمل، وأبقى. ومن هنا كان الإنسان كائنا باحثا عن الكمال، وكانت المحبة هي القوة التي تشده إلى ذلك الكمال؛ لأنها انجذاب الفطرة إلى ما تراه جديرا بالتعلق والاتباع.

ولذلك لم تكن المحبة في التصور الإسلامي أمرا يكتسبه الإنسان بقدرته وحدها، بل هي قبل ذلك نعمة إلهية، وهبة ربانية، يفيض الله بها على القلوب التي أقبلت عليه، كما أنها تكليف إلهي دعا الله إليه في كتابه، وربط به حقيقة الإيمان. فقال تعالى: (والذين آمنوا أشد حبا لله)، وقال أيضا: (يحبهم ويحبونه). وهكذا لا تبقى المحبة مجرد شعور يختلج في القلب، بل تصبح رابطة متبادلة، يتقرب بها العبد إلى ربه، ويتجلى بها فضل الله على عبده، حتى تغدو أساس العلاقة بين الإنسان وخالقه.

ومن هنا تكتسب المحبة مكانتها بوصفها إحدى أسمى مدارج الكمال والجمال في الوجود الإنساني؛ لأنها لا تغير مشاعر الإنسان فحسب، بل تعيد بناء وجوده كله. فالإنسان المتفرق بين محبوبات متزاحمة يعيش مشتت الإرادة، مضطرب الوجهة، أما إذا توحد محبوبه الأعلى، انتظمت سائر رغباته في نسق واحد، وأصبح قلبه أكثر صفاء، وعقله أكثر بصيرة، وسلوكه أكثر اتزانا. ولهذا لا تكون المحبة الحقيقية هروبا من العالم، وإنما إعادة ترتيب العلاقة به في ضوء الغاية الكبرى التي تمنح كل شيء قيمته ومعناه.

وإذا كانت المحبة تتجلى في صور متعددة داخل الحياة الإنسانية، كمحبة الوالدين، والأبناء، والوطن، والعلم، والخير، والجمال، فإن هذه المحاب جميعا تظل محبات جزئية، تكتسب مشروعيتها واعتدالها من انتظامها في محبة أسمى منها جميعا، هي محبة الله تعالى. وإنما تنحرف حين تستقل عن غايتها، أو تتحول من وسائل تعين الإنسان على أداء رسالته إلى غايات تستعبد قلبه، فيفقد بذلك ميزان الأولويات الذي تقوم عليه الحياة المتوازنة. أما محبة الله، فهي المحبة الخالصة التي تتوحد عندها مقاصد القلب، لأنها تتعلق بمن له الكمال المطلق، والجمال المطلق، والبقاء المطلق.

ومن هنا تنشأ ثمرة جليلة من ثمار المحبة، هي أنس القرب. فالإنسان لا يأنس إلا بمن أحب، ولا يجد الطمأنينة الكاملة إلا فيمن استقر حبه في أعماق قلبه. فإذا امتلأ القلب بمحبة الله، زال عنه وحش التعلق بما يفنى، وأصبح يشعر بالقرب من ربه قربا معنويا يقوم على المعرفة، والطاعة، والذكر، والثقة، لا على قرب المكان. وحينئذ لا ينسحب الإنسان من العالم، بل يعود إليه بروح جديدة؛ فيرى في العمل عبادة، وفي العلم رسالة، وفي الإنسان أخا في الإنسانية، وفي الكون آية تدله على خالقه. وهنا يتحول الوجود الإنساني من مجرد حياة تؤدى إلى حياة تعاش في ظل الأنس بالله، فيجد الإنسان في هذا الأنس سكينة لا تعكرها تقلبات الدنيا، ولا تنال منها حوادث الزمان.

ولما كانت المحبة بهذه المنزلة الرفيعة في بناء الوجود الإنساني، فقد استأثرت بعناية واسعة في التراث الإسلامي عامة، وفي التجربة الصوفية خاصة؛ إذ نظر إليها أرباب السلوك لا بوصفها عاطفة عابرة، وإنما باعتبارها قوة تربوية تعيد تشكيل القلب، وتهذب الإرادة، وتوجه الإنسان إلى غايته. ومن هنا أفاض أئمة التصوف في بيان حقيقتها، والكشف عن آثارها، ودرجاتها، كل بحسب ذوقه ومنهجه، مع اتفاقهم جميعا على أن المحبة الصادقة هي التي تثمر صفاء القلب، واستقامة السلوك، ووحدة المقصد.

وقد كانت رابعة العدوية من أوائل من عبروا عن هذا المعنى تعبيرا خالدا، حين قالت:

"أحبك حبين: حب الهوى** وحبا لأنك أهل لذاكا."

فلم تجعل المحبة مجرد رجاء للثواب أو خوف من العقاب، بل ارتقت بها إلى محبة خالصة لله؛ لأنه سبحانه أهل للمحبة في ذاته، لكماله وجلاله وجماله. ولم تكن رابعة تدعو إلى إلغاء الرجاء أو الخوف، وإنما أرادت أن تكشف أن للمحبة مرتبة تسمو بالإنسان حتى يصبح الله هو المقصود الأول، لا ما يترتب على عبادته من نعيم أو نجاة.

ثم جاء الجنيد البغدادي، فربط المحبة بالاستقامة والاتباع، ورأى أن المحبة الصادقة لا تنفصل عن الطاعة، وأن صدق الدعوى يظهر في موافقة المحبوب. وبهذا أعاد الجنيد التوازن إلى التجربة الصوفية، فجعل المحبة بناء يزكي السلوك، لا انفعالا يكتفي بالمشاعر، لأن المحبة التي لا تظهر آثارها في العمل تبقى دعوى لم تكتمل حقيقتها.

وفي القرن الرابع الهجري، وسع أبو طالب المكي دائرة الحديث عن المحبة، فجعلها من أعمال القلوب التي تنمو بالمجاهدة، وتقوى بالذكر، وتصفو بالمراقبة. ورأى أن القلب إذا امتلأ بمحبة الله، انصرفت همومه عن التعلق بما يفنى، وصارت علاقته بالدنيا علاقة استخدام لا استعباد، فيتحرر الإنسان من سلطان الشهوة، ويصبح أكثر قدرة على توجيه حياته نحو غايتها الكبرى.

ويبلغ الحديث عن المحبة ذروة نضجه الفلسفي والروحي في القرن الخامس الهجري عند أبي حامد الغزالي، الذي رأى أن المحبة تنشأ من إدراك القلب لما يتجلى له من معاني الكمال والجمال. فالنفس الإنسانية مفطورة على الميل إلى الكامل والجميل، وكلما ازداد الإنسان إدراكا لكمال الله وجلاله وجماله، ازداد تعظيما له، وانجذابا إليه، وتعلقا به. ومن هنا لم تعد المحبة عند الغزالي مجرد حالة وجدانية، بل أصبحت قوة روحية وأخلاقية تدفع الإنسان إلى التشبه، بقدر طاقته البشرية، بمعاني الخير، والرحمة، والعدل، والإحسان.

ثم تتسع آفاق المحبة عند عفيف الدين التلمساني ـ المتوفى ٦٩٠ هـ ـ فتغدو القوة الجامعة التي تنتظم الوجود الإنساني كله. فالمحبة عنده ليست مجرد منزلة من منازل السالكين، بل هي الحقيقة التي تعيد جمع الإنسان بعد تفرقه، وتوحد قواه بعد تشتتها، حتى يصبح القلب، والعقل، والإرادة متجهة جميعها إلى مقصد واحد. وبهذا المعنى لا تقتصر المحبة على تهذيب السلوك، وإنما تعيد بناء الإنسان من داخله، وتجعله أكثر استعدادا لتلقي أنوار الحقيقة.

وهكذا تلتقي الرؤية الفلسفية بالتجربة الروحية في حقيقة واحدة، وهي أن المحبة لا تلغي العقل، ولا تعطل الإرادة، وإنما تهذب كليهما، وتوجههما نحو الغاية التي تستحق أن تعاش الحياة من أجلها. فالقلب الذي يحب بغير بصيرة قد يضل، والعقل الذي يفكر بغير محبة قد يجف، أما إذا اجتمعت المحبة مع صفاء العقل، أشرق الوجود الإنساني بنور يجمع بين وضوح الرؤية وصدق التوجه.

ومن هنا يمكن القول إن المحبة لا تورث الأنس والقرب فحسب، بل تفتح أيضا أبواب المعرفة. فالمحبة الصادقة تصقل البصيرة، وتحرر القلب من أهوائه، وتجعله أكثر استعدادا لتلقي أنوار الحقيقة. وكلما ازداد القلب صفاء بالمحبة، اتسعت أمامه آفاق المعرفة، حتى يصبح الإنسان أكثر وعيا بحقيقة نفسه، وأكثر إدراكا لعظمة خالقه.

خلاصة القول: إن المحبة ليست نهاية الطريق، وإنما بداية إشراق جديد في الوجود الإنساني. فهي توحد القلب بعد تفرقه، وتورثه الأنس بعد وحشته، وتمنحه القرب بعد اغترابه، ثم تفتح له أبواب المعرفة التي يزداد بها بصيرة ويقينا. فإذا كان الإنسان قد تعلم بالصبر كيف يثبت، وبالتوكل كيف يطمئن، وبالرضا كيف يسكن، فإنه بالمحبة يتذوق جمال القرب، ويتهيأ لاستقبال نور المعرفة، حتى يقترب شيئا فشيئا من الغاية التي تنتظم عندها معاني الوجود كلها.

وهكذا يواصل الوجود الإنساني ارتقاءه في مدارج الكمال والجمال، حيث تهيئ كل منزلة لما بعدها، حتى يبلغ الإنسان من المعرفة ما يجعله أكثر قدرة على إدراك الحقيقة، وأقرب إلى المقصد الأعلى. ولذلك ستكون المعرفة حديثنا القادم، لا بوصفها زيادة في المعلومات، وإنما نورا تستنير به البصيرة، ومدرجا جديدا من مدارج الكمال والجمال، يتهيأ فيه الإنسان للوصول إلى الغاية الكبرى للوجود الإنساني، وهي التوحيد.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية

صحيفة المُثقف أ.د. ياسر البتانوني : استبداد الجاهل بجهله 01 آب/أغسطس 2026حين يتحول الوهم إلى سلطة والعناد إلى منهجفي مقا...
01/08/2026

صحيفة المُثقف

أ.د. ياسر البتانوني : استبداد الجاهل بجهله
01 آب/أغسطس 2026

حين يتحول الوهم إلى سلطة والعناد إلى منهج

في مقالنا السابق "اعرف نفسك بنفسك... فلسفة معرفة النفس وآفة الإسقاط النفسي" انتهينا إلى أن معرفة الإنسان لنفسه ليست ترفا فكريا، ولا ممارسة تأملية منعزلة عن الواقع، وإنما هي الشرط الأول لبناء شخصية متوازنة، قادرة على رؤية ذاتها قبل أن تحاكم غيرها. فالإنسان الذي يجهل نفسه لا يكتفي بسوء فهم الآخرين، بل يقع أسير أوهامه، فيرى الحقائق من خلال أهوائه، ويقيس الناس بمعاييره الخاصة، ويصبح أكثر استعدادا لإسقاط عيوبه على غيره، ثم الدفاع عنها باعتبارها حقائق لا تقبل النقاش.

ومن هذا المنطلق، ننتقل إلى آفة أخرى تنبت في التربة نفسها، هي آفة استبداد الجاهل بجهله؛ ذلك اللون الخفي من الاستبداد الذي لا يعتمد على قوة السلاح، ولا على سلطان المنصب، وإنما على وهم المعرفة، وغرور النفس، ورفض الاعتراف بالخطأ.

والاستبداد في معناه العام هو انفراد شخص أو جماعة بالرأي أو القرار أو السلطة مع إقصاء الآخرين، ورفض الاحتكام إلى الضوابط التي تكفل العدل والإنصاف. وهو ليس مقصورا على المجال السياسي كما يتصور كثير من الناس، بل هو نزعة قد تتسلل إلى مختلف مجالات الحياة. فقد يكون استبدادا سياسيا حين يحتكر الحاكم القرار، أو اجتماعيا حين تفرض فئة وصايتها على المجتمع، أو أسريا حين يلغي أحد أفراد الأسرة شخصية غيره، أو إداريا حين تتحول الوظيفة إلى وسيلة لفرض الأهواء، أو فكريا حين يتوهم الإنسان أنه وحده يملك الحقيقة، وأن كل رأي سواه باطل أو ناقص.

غير أن أخطر هذه الصور جميعا هو ذلك الاستبداد الذي يولد داخل النفس قبل أن يظهر في الواقع؛ لأن من استبد بنفسه سهل عليه أن يستبد بغيره. وهذا هو استبداد الجاهل بجهله، وهو استبداد لا يقوم على نقص المعرفة وحده، وإنما على تقديس هذا النقص، وتحويله إلى يقين مغلق، لا يسمح لصاحبه بأن يسمع، أو يتعلم، أو يراجع نفسه.

وليس المقصود بالجاهل هنا من لم تتح له فرصة التعلم، فذلك قد يكون أكثر الناس تواضعا، وأشدهم شغفا بالمعرفة. وإنما المقصود ذلك الذي يجهل، ثم يرفض أن يعترف بجهله، ويغضب إذا صحح له أحد خطأه، ويعد التراجع عن رأيه انتقاصا من كرامته، فيتشبث بخطئه كما يتشبث صاحب العقيدة بعقيدته، لا لأن لديه دليلا، بل لأنه يخشى أن يهتز البناء الوهمي الذي أقامه حول ذاته.

وهنا تتحول المشكلة من كونها نقصا في المعرفة إلى أزمة في الوعي، لأن الجهل البسيط يمكن علاجه بالتعلم، أما الجهل الذي يلبس ثوب اليقين فقلما يجد طريقه إلى العلاج، إذ كيف يطلب الإنسان الدواء وهو لا يشعر بمرضه؟ وكيف يبحث عن الحقيقة من يعتقد أنه قد امتلكها كاملة؟

ولعل أخطر ما يميز هذا النمط من البشر أنه لا يدخل أي حوار بحثا عن الحقيقة، وإنما يدخله بحثا عن الانتصار. فهو لا يصغي إلى الآخرين ليفهم، وإنما ينتظر انتهاءهم من الكلام ليعيد تكرار ما يؤمن به. ولا ينظر إلى الرأي المخالف باعتباره فرصة للمراجعة، وإنما يراه تهديدا لصورته، فيقاومه بعناد، ويخلط بين نقد الفكرة والطعن في شخصه.

ولذلك فإنك تراه شديد الحساسية تجاه أي تصحيح، سريع الغضب من كل نقد، قليل الاعتراف بالفضل، كثير التعلق برأيه، يظن أن التراجع ضعف، وأن الإصرار على الخطأ قوة، مع أن الحقيقة على النقيض من ذلك تماما؛ فالقوي هو من ينتصر للحقيقة ولو كانت على حساب رأيه، أما الضعيف فهو من ينتصر لرأيه ولو كان على حساب الحقيقة.

ومن سماته أيضا أنه ينتقي من الأدلة ما يوافق هواه، ويغض الطرف عن كل ما يخالفه، فإذا وجد نصا يؤيد رأيه تشبث به، وإذا وجد نصا آخر ينقضه بحث عن أي تأويل يخرجه عن ظاهره، أو تجاهله تماما. فهو لا يجعل رأيه تابعا للدليل، وإنما يجعل الدليل تابعا لرأيه، فيتحول العقل عنده من أداة لاكتشاف الحقيقة إلى وسيلة لتبرير ما يريد الوصول إليه سلفا.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل كثيرا ما يحيط نفسه بمن يوافقونه، وينفر من كل ناصح صادق، لأن وجود المخالف يزعزع يقينه الزائف، أما وجود المصفقين فيمنحه شعورا مؤقتا بالاطمئنان. ولهذا تراه يضيق بأهل الخبرة، ويستريح إلى أهل المجاملة، لأن الأولين يوقظون عقله، والآخرين يداعبون غروره.

ومن المفارقات اللافتة أن المستبد بجهله كثيرا ما يتهم غيره بالاستبداد، ويتهم أهل العلم بالتعالي، ويتهم الناصحين بالغرور، وهو في الحقيقة إنما يسقط ما في نفسه على الآخرين. وهنا تتجلى مرة أخرى آفة الإسقاط النفسي التي تحدثنا عنها في مقالنا السابق؛ فالإنسان إذا عجز عن رؤية عيوبه، راح يفتش عنها فيمن حوله.

ومن الوجهة النفسية، فإن هذا السلوك لا يصدر غالبا عن قوة، كما يظن أصحابه، بل عن ضعف مستتر. فكثير من المستبدين بجهلهم تحركهم نرجسية مرضية تجعلهم يرون أنفسهم فوق النقد، أو شعور دفين بالنقص يحاولون ستره بالتعالي، أو خوف عميق من انهيار الصورة التي صنعوها لأنفسهم أمام الناس. ولذلك فإنهم لا يدافعون عن آرائهم لأنها صحيحة، وإنما يدافعون عنها لأنها أصبحت جزءا من ذواتهم، فيتصورون أن سقوط الرأي هو سقوط للشخص نفسه.

إن الإنسان الواثق من نفسه لا يخجل من الاعتراف بخطئه، لأن كرامته لا تقوم على العصمة، وإنما على الصدق. أما المضطرب من داخله، فإنه يجعل من العناد درعا يحتمي به، ومن المكابرة وسيلة لإخفاء هشاشته، فيزداد بعدا عن الحقيقة كلما ازداد تمسكا برأيه.

ولهذا فإن المجتمعات لا يهددها الجهل وحده، فالجهل بداية كل تعلم، وإنما يهددها أولئك الذين يحولون جهلهم إلى سلطة، ورأيهم إلى قانون، وأهواءهم إلى مقياس للحق والباطل. فالجاهل المتواضع مشروع عالم، أما الجاهل المستبد فمشروع طاغية، وإن لم يملك من أدوات الطغيان سوى لسانه أو منصبه أو رأيه.

ولعل هذه الحقيقة هي التي تفسر كثيرا من صور الظلم التي نراها في حياتنا اليومية؛ إذ يبدأ الظلم في أغلب الأحيان بفكرة خاطئة، ثم تتحول هذه الفكرة إلى قناعة مغلقة، ثم إلى تعصب، ثم إلى استبداد، ثم إلى ممارسة عملية تفضي إلى إهدار الحقوق وإفساد العلاقات وتعطيل العدل.

وإذا كان استبداد الجاهل بجهله يولد في أعماق النفس، فإنه لا يظل حبيسها طويلا، بل يفرض نفسه على الواقع في صورة قرارات جائرة، وأحكام متعجلة، ومواقف متعنتة، حتى يصبح ضرره متعديا إلى كل من يتعامل معه. فصاحب هذا النمط لا يكتفي بأن يعيش أسير أوهامه، وإنما يسعى - عن وعي أو غير وعي - إلى إلزام الآخرين بها، وكأن رأيه قانون، واجتهاده حقيقة، وهواه ميزان للعدل.

ولعل أخطر البيئات التي يظهر فيها هذا اللون من الاستبداد هي المؤسسات التي تقوم على اللوائح والقوانين. فالأصل أن القواعد وضعت لتحكم الجميع، وأن يكون القائمون على تنفيذها أمناء عليها، لا أوصياء فوقها. فاللائحة لا تنتظر من الموظف أن يعيد صياغتها وفق مزاجه، وإنما تنتظر منه أن يطبقها بأمانة وتجرد وعدل.

غير أن الواقع يكشف أحيانا عن صورة مؤلمة تتكرر في أكثر من مؤسسة. توضع قواعد واضحة للترقي أو للمفاضلة أو لمنح الحقوق، وتحدد شروطها بدقة، ثم يتقدم أحد الأفراد مستوفيا جميع تلك الشروط. وهنا يكون دور اللجنة أو المسؤول هو التحقق من استيفاء الشروط، لا اختراع شروط جديدة، ولا تعطيل حق قررته اللائحة.

لكن المستبد بجهله لا يقف عند حدود النص، بل يقفز فوقه. فإذا وجد في اللائحة مادة تمنح المتقدم حقا معينا متى استوفى شروطها، رفض تطبيقها لمجرد أن قناعته الشخصية لا تستسيغها، وربما أصر على موقفه، مع وضوح النص، واتفاق بقية المختصين على سلامة تطبيقه. وهنا لا يكون الخلاف في فهم القانون، وإنما في رفض الاحتكام إليه، لأن هوى الفرد أصبح أقوى من سلطان القاعدة.

وهذا النموذج لا يقتصر على مؤسسة بعينها، بل يمكن أن يتكرر في أي مكان يغيب فيه الضمير، ويحل الهوى محل الأمانة. فالمستبد بجهله لا يرى نفسه منفذا للقانون، وإنما يرى القانون تابعا لرأيه، فإن وافقه استشهد به، وإن خالفه عطله أو أوله أو التمس له المخارج. ومن هنا تبدأ العدالة في التآكل، لا بسبب ضعف النصوص، وإنما بسبب ضعف النفوس.

ولا يقف الأمر عند حدود الإدارة، بل يمتد إلى الأسرة. فقد ترى أبا يرفض الاستماع إلى أبنائه، لا لأنهم مخطئون، وإنما لأنه اعتاد أن يكون صاحب الكلمة الأخيرة. فإذا قدموا له رأيا أكثر صوابا، أو أشاروا إلى تغير ظروف الحياة، عد ذلك تمردا على سلطته. وهكذا تتحول الحكمة التي يفترض أن تمنحها الخبرة إلى استبداد يمنع الحوار ويقتل الثقة.

وتتجلى الظاهرة أيضا في ميدان التعليم، حين يرفض معلم أو محاضر تصحيح معلومة ثبت خطؤها، لأن الاعتراف بها - في ظنه - ينتقص من هيبته. وهو لا يدرك أن هيبة المعلم لا تصنعها العصمة، وإنما يصنعها صدقه العلمي، وشجاعته في الرجوع إلى الحق متى تبين له.

وفي ساحات الفكر والحوار تبدو الصورة أكثر وضوحا. فكم من إنسان يدخل النقاش وقد حسم النتيجة قبل أن يسمع الطرف الآخر. إنه لا يحاور ليفهم، بل ليغلب، ولا يناقش ليصل إلى الحقيقة، بل ليؤكد ما يعتقده مسبقا. فإذا أعوزه الدليل لجأ إلى السخرية، أو التشكيك في النيات، أو التقليل من شأن المخالف، لأن الحجة خانته، فلم يبق له إلا الطعن في صاحبها.

بل إن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم بيئة خصبة لهذا النمط من السلوك. فكثير من الناس يكتفون بقراءة عنوان، أو سماع مقطع مبتور، ثم يبنون عليه أحكاما قاطعة، ويرفضون كل تصحيح، وربما هاجموا أهل الاختصاص أنفسهم، لا لأنهم يملكون علما أوسع، وإنما لأنهم استراحوا إلى جهلهم حتى توهموا أنه معرفة.

ومن السمات اللافتة لهذا النموذج أنه لا يفرق بين الثبات على المبدأ، والإصرار على الخطأ. فالثبات فضيلة إذا كان قائما على الحق، أما العناد فهو تمسك بالرأي بعد ظهور بطلانه. والفرق بينهما هو الفرق بين صاحب الضمير الذي يتبع الدليل حيث قاده، وصاحب الهوى الذي يجر الدليل إلى حيث يريد.

إن أخطر ما يفعله الجاهل المستبد أنه لا يظلم الأفراد وحدهم، بل يفسد البيئة التي يعيش فيها. فهو يشيع الخوف من إبداء الرأي، ويعاقب المبادرة، ويجعل الناس يفضلون الصمت على الصدق، والمجاملة على النصيحة، لأنهم يعلمون أن الحقيقة لن تجد أذنا تسمعها، بل كبرياء يرفضها.

ولهذا فإن المجتمعات لا تنهض بكثرة القوانين وحدها، وإنما تنهض بوجود رجال ونساء يؤمنون بأن القانون فوق الجميع، وأن الحقيقة لا تعرف الأشخاص، وأن الاعتراف بالخطأ شجاعة، لا ضعف، وأن الوظيفة أمانة، لا امتياز.

أما علاج استبداد الجاهل بجهله، فلا يبدأ بالعقوبات، وإن كانت ضرورية حين يترتب على الاستبداد ظلم للناس، وإنما يبدأ بتربية العقل والضمير معا. فالعقل يحتاج إلى أن يتعلم أن الحقيقة لا يحتكرها أحد، وأن كل إنسان معرض للخطأ، وأن الرأي يوزن بالدليل لا بصاحبه. والضمير يحتاج إلى أن يتربى على أن الرجوع إلى الحق فضيلة، وأن الاعتذار عن الخطأ رفعة، لا مذلة.

كما أن المؤسسات مطالبة بأن ترسخ ثقافة المراجعة، وأن تجعل اللوائح فوق الأشخاص، وأن تمنع احتكار تفسير النصوص، وأن تفتح أبواب الاعتراض والتظلم، لأن العدالة لا تكتمل بوجود النصوص، وإنما تكتمل بوجود الضمانات التي تمنع العبث بها.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه قبل أن يوجهه إلى غيره: هل أنا أبحث عن الحقيقة، أم أبحث عما يؤيد رأيي؟ وهل أغضب لأن الحق خفي علي، أم لأن صورتي اهتزت أمام نفسي؟

إن الجاهل لا يصبح خطرا لأنه لا يعلم؛ فكلنا بدأ حياته جاهلا، وإنما يصبح خطرا حين يقدس جهله، ويغلق أبواب التعلم، ويجعل من رأيه سلطة تعلو على العقل، ومن هواه حكما فوق العدل. فهناك يبدأ الاستبداد الحقيقي، لا من قاعات الحكم وحدها، بل من داخل النفس، يوم ترفض أن ترى نفسها على حقيقتها.

ولهذا فإن أول خطوة في مقاومة كل أشكال الاستبداد ليست أن نحاسب الآخرين فحسب، بل أن نحاسب أنفسنا أيضا. فمن عرف نفسه هذبها، ومن هذبها تواضع، ومن تواضع تعلم، ومن تعلم اقترب من الحقيقة. أما من جهل نفسه، ثم استبد بجهله، فقد خسر أعظم نعمة وهبها الله للإنسان: نعمة العقل الحر، والبصيرة المنصفة، والضمير الحي.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني - أستاذ الفلسفة الإسلامية

كلية الآداب جامعة المنوفية

Address

جمال عبد الناصر/مجمع الكليات
Shebin Al-Kom

Opening Hours

Monday 9am - 5pm
Tuesday 9am - 5pm
Wednesday 9am - 5pm
Thursday 9am - 5pm
Sunday 9am - 5pm

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when قسم الفلسفة - كلية الآداب جامعة المنوفية - الصفحة الرسمية posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The University

Send a message to قسم الفلسفة - كلية الآداب جامعة المنوفية - الصفحة الرسمية:

Shortcuts

Share