17/09/2026
من الشطرنج إلى الرياضيات… هل بدأ الذكاء الاصطناعي يدخل مرحلة إنتاج المعرفة الجديدة؟
في عام 1997، خسر بطل العالم في الشطرنج غاري كاسباروف أمام حاسوب IBM الشهير Deep Blue. وقتها أثارت بعض حركات الحاسوب شكوك كاسباروف، ولم يكن من السهل تقبّل فكرة أن آلة يمكن أن تتفوق على أفضل لاعب في العالم. وبعد نحو ثلاثة عقود، يعود المشهد بصورة أكبر، لكن هذه المرة في أحد أصعب ميادين المعرفة: الرياضيات.
القصة تتعلق بمشكلة Navier–Stokes Existence and Smoothness، وهي من أشهر المسائل المفتوحة في الرياضيات، وترتبط بالمعادلات التي تصف حركة السوائل مثل الماء والهواء، وتدخل تطبيقاتها في تصميم الطائرات، والتنبؤ بالطقس، ودراسة تدفق الدم. وفي عام 2000 وضعها Clay Mathematics Institute ضمن مسائل الألفية السبع، مع جائزة قدرها مليون دولار لكل مسألة.
في سبتمبر 2026 أعلنت OpenAI أن نظامًا داخليًا متقدمًا لديها أنتج برهانًا للمشكلة، من خلال منظومة تضم قرابة 10 آلاف وكيل ذكاء اصطناعي يعملون بالتوازي. ووفق الشركة، تبادل الوكلاء نحو 2.7 مليون رسالة واستهلكوا قرابة 130 مليار Output Token، ووصلوا إلى النتيجة خلال نحو 88 ساعة، ثم استغرق تحويل البرهان والتحقق منه رسميًا باستخدام Lean نحو 17 ساعة إضافية.
واللافت هنا أن الأمر لم يكن مجرد سؤال يُطرح على نموذج ذكاء اصطناعي، بل أقرب إلى مختبر بحثي رقمي كامل: آلاف الوكلاء يستكشفون مسارات مختلفة للحل، ثم يجري دمج أفضل النتائج للوصول إلى برهان نهائي.
لكن القصة لم تتوقف عند الإنجاز الرياضي؛ فقد ظهرت أيضًا مناقشة علمية حول الأسبقية والبيانات، مرتبطة بعمل متزامن للباحثين Tristan Buckmaster وLevent Alpöge. OpenAI تقول إنها لم تطّلع على أعمالهما قبل نشرها علنًا، ولم تستخدم بيانات مستخدم محددة للوصول إلى الحل، لكنها أوضحت أنها لا تستطيع استبعاد احتمال أن تكون بيانات مجهولة الهوية مستمدة من استخدام منتجاتها قد ساهمت بصورة غير مباشرة في تحسين النماذج. كما تؤكد أن النتائج والمسارات الرياضية ليست متطابقة.
والأهم أن OpenAI أعلنت أنها لا تنوي المطالبة بجائزة المليون دولار. كما أن إعلان الشركة عن البرهان لا يعني وحده أن المسألة حصلت تلقائيًا على اعتماد نهائي من مؤسسة Clay؛ فالاعتراف الرسمي بمسائل الألفية يخضع لإجراءات ومعايير مستقلة.
ما يحدث هنا أكبر من مسألة رياضية واحدة؛ نحن أمام تحول محتمل في دور الذكاء الاصطناعي: من أداة تساعد الباحث على البحث والكتابة والتحليل، إلى أنظمة تشارك بصورة مباشرة في اقتراح براهين ونتائج ومعرفة علمية جديدة.
والسؤال الذي يستحق أن نناقشه من الآن:
إذا أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على حل مسائل عجز عنها العلماء لعقود، فكيف ستتغير وظيفة الباحث العلمي نفسها؟
د. علي سعد الموسوي