28/02/2025
حول مستقبل سوريا
موحى الناجي
يشكل السقوط غير المتوقع للدكتاتور السوري بشار الأسد، الذي حدث يوم الأحد، لحظة حاسمة في مسار الحرب الأهلية المدمرة التي استمرت ثلاثة عشر عامًا في سوريا. ومع سيطرة الجماعات المتمردة على دمشق، يمثل هذا التحول الجذري في السلطة تداعيات عميقة ليس فقط على سوريا، بل أيضًا على منطقة الشرق الأوسط والمجتمع الدولي بأسره. وقد أثار انهيار نظام الأسد احتفالات واسعة النطاق في جميع أنحاء سوريا، معبرًا عن إحساس جماعي بالتحرر من ديكتاتورية وحشية ألحقت معاناة لا تُحصى بالشعب السوري، من قتل وتعذيب وتشريد وتهجير الملايين. ومع ذلك، فإن التحديات المقبلة لتحقيق الاستقرار وإعادة بناء سوريا لا تقل جسامة عن الانتصار نفسه.
التداعيات على الفاعلين الإقليميين والدوليين
أدى سقوط الأسد إلى اهتزاز المشهد الجيوسياسي. فروسيا وإيران، اللتان تدخلتا لإنقاذ الأسد في عامي 2014-2015، تجدان نفسيهما الآن وقد تضاءل نفوذهما في سوريا والمنطقة بشكل كبير. ومع انشغالهما بصراعات أخرى مستمرة، بما في ذلك الحرب في أوكرانيا، لم تعد هاتان القوتان قادرتين على دعم نظام الأسد المتهاوي. ويمثل هذا الإخفاق الاستراتيجي تراجعًا كبيرًا في نفوذهما في الشرق الأوسط، مما يشير إلى تحول حاسم في الديناميات الإقليمية.
بالنسبة لدول الخليج، فإن سقوط الأسد يثير ردود فعل متباينة. فقد ترحب دولة قطر بالفرصة لتمويل الحكومة الناشئة، بينما تظل السعودية والإمارات متحفظتين تجاه احتمال بزوغ حكومة إسلامية، مترددتين في تقديم مساعدات مالية دون ضمانات واضحة. ومن المرجح أن تعتمد مقاربتهما على طبيعة القيادة السورية في حقبة ما بعد الأسد.
أما إسرائيل، فتجد نفسها في موقف مشابه من الحذر، إذ تواجه عدم اليقين بشأن من قد يخلف الأسد. ومع ذلك، فإن إضعافها الأخير لحزب الله، الحليف الرئيسي للأسد، قد يمنحها نفوذًا للتواصل مع القادة السوريين الجدد لتحقيق الأمن على الحدود الشمالية.
وتبرز تركيا كاستثناء ملحوظ، إذ حققت استراتيجيتها تجاه سوريا مكاسب كبيرة. فمن خلال معارضتها للأسد مع الحفاظ على قنوات التفاوض مع حلفائه، واستضافة ملايين اللاجئين السوريين، ودعم المعارضة، قد تصبح أنقرة لاعبًا رئيسيًا في عملية إعادة إعمار سوريا. ويمنحها انخراطها السياسي والعسكري تأثيرًا كبيرًا على عملية الاستقرار، إلى جانب اعتراف العديد من السوريين بدورها.
دور الولايات المتحدة والمجتمع الدولي
تجد الولايات المتحدة نفسها أمام منعطف حاسم لتحديد دورها في سوريا ما بعد الأسد. فالإدارة الأميركية بقيادة ترامب بحاجة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمنع انزلاق البلاد نحو الفوضى. وتشمل الأولويات زيادة التمويل لإعادة بناء البنية التحتية، وتوفير الرعاية الصحية، وتسهيل عودة اللاجئين والنازحين. ومع ذلك، فإن التحرك الأميركي في سوريا يتطلب أيضًا التعامل مع التعقيدات التي يفرضها تنظيم "هيئة تحرير الشام"، وهو الفصيل الذي قاد الهجوم على دمشق. وعلى الرغم من أن "هيئة تحرير الشام" كانت مصنفة كمنظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة، إلا أن دورها البارز في المرحلة الانتقالية يجعل من الضروري إشراكها في المحادثات الأولية. وهذا ينطوي على مخاطر، حيث قد تعكس وعود "هيئة تحرير الشام" باحترام حقوق الأقليات التطمينات غير المؤكدة التي قدمتها حركة طالبان أثناء صعودها إلى السلطة في أفغانستان.
ولكي تحصل المعارضة السورية على دعم فعال من الولايات المتحدة، ينبغي أن تتحرك بسرعة لتقديم رؤية واقعية وموحدة لحكومة انتقالية، وانتخابات ديمقراطية، وحوكمة مستدامة. وتكتسب هذه الخطوات أهمية خاصة في ظل تصريح الرئيس دونالد ترامب بعدم اهتمامه بتعميق التورط الأميركي في سوريا. ويجب على المجتمع الدولي أيضًا توخي الحذر عند تقديم المساعدات الخارجية. فكثيرًا ما تفشل جهود إعادة الإعمار بعد النزاعات بسبب خطط مجزأة، ومنافسات سياسية، ومشاريع غير منسقة. وستعتمد الحوكمة الفعالة في سوريا على ربط المساعدات بمعايير واضحة وتعزيز التعاون بين المانحين لتجنب هذه العثرات.
مسارات تحقيق الاستقرار
سيتطلب تحقيق الاستقرار في سوريا جهودًا دبلوماسية مكثفة تشمل الفاعلين الرئيسيين على الصعيدين الإقليمي والدولي، بما في ذلك تركيا ودول الخليج والأردن. ويمكن أن يسهم تعزيز الحوار بين الدول المتخاصمة في تقليل التوترات، وتشجيع الترتيبات الأمنية التعاونية، ومنع تحول سوريا إلى ساحة معركة بالوكالة للمصالح المتنافسة. ومع النفوذ المتزايد لتركيا واستعداد قطر المحتمل للاستثمار، تبرز فرصة لصياغة نهج متوازن لإعادة بناء سوريا. ولكن ضمان الاستقرار على المدى الطويل سيتطلب مفاوضات دقيقة، ورصدًا دقيقًا لحوكمة "هيئة تحرير الشام"، والتزامًا دوليًا مستمرًا بجهود بناء الدولة الشاملة والشفافة.
في الختام، يمثل رحيل نظام الأسد لحظة أمل وتحديًا كبيرًا في آن واحد. ورغم أن الشعب السوري قد حقق انتصارًا صعب المنال، إلا أن الطريق نحو إعادة الإعمار والمصالحة والسلام الدائم سيتطلب إجراءات مدروسة ومنسقة من الفاعلين المحليين والمجتمع الدولي على حد سواء. في المغرب، نتمنى مستقبلا أفضل للبلد الشقيق سوريا آملين أن يسود الأمن والأمان في كل المنطقة.