06/09/2026
كل خمس سنوات يبدو كأن الذاكرة السياسية تُمحى في هذا البلد.
تخرج الأحزاب ببرامجها ووعودها كلها تقريباً عن المستقبل: سنفعل، وسنرفع، وسنخفض، وسنصلح، وسنخلق، وسندعم. أما الماضي فنادرا ما يُستدعى.
بالنسبة لاحزاب المعارضة يمكن القول انها معذورة جزئيا لأنها لم تكن تدبّر الحكومة حتى نطالبها بحصيلة حكومية ومع ذلك فهي مطالبة بحصيلة عملها الرقابي والتشريعي وبحصيلة تدبيرها حيثما تولّت مسؤوليات ترابية أو غيرها.
لكن السؤال يصبح أكثر إلحاحا عندما يتعلق بأحزاب الأغلبية.
فهي تخرج علينا بوعود جديدة وبأولويات جديدة وبتشخيص جديد للأزمات وكأننا سنبدأ من الصفر.
كأن السنوات الخمس الماضية لم تكن وكأن قوانين المالية لم تعدّ ولم تصوت عليها وكأن البرامج لم تُعلن والاعتمادات لم تُصرف. وكأن أحدا غيرهم كان يحكم.
وليست هذه بدعة هذا الموسم.
عشناها في 2021 وفي 2016 وقبلهما.
اي تتغير الوجوه والألوان والشعارات لكن تبقى القاعدة.
لذلك نحاول ان نقرأ قواعد اللعبة.
أولاً: ابدأ من المستقبل
في الديمقراطيات التي ترسخت فيها ثقافة المحاسبة، يبدأ من مَارَس السلطة بحصيلته:
وعدتُ بكذا، أنجزتُ منه كذا، ولم أنجز كذا، وفشلتُ في كذا، ولهذه الأسباب.
ثم ينتقل إلى المستقبل عندنا تُحذف هذه المرحلة كاملة.
والسبب مفهوم: الحصيلة أرقام ونتائج يمكن مقارنتها بما قيل سابقاً أما الوعد فكلام عن شيء لم يقع بعد.
كما ان الكلام عن المستقبل أقل كلفة من الحساب عن الماضي.
ثانياً: تحدّث عن الخصم
عندما نسأله عن برنامجه، يحدثنا عن خصومه.
نسأله عن الحصيلة، يحدثنا عن أخلاقيات الآخرين.
نسأله عن التعليم، يحدثنا عن عدد المنتخبين الذين استقطبهم الحزب المنافس.
نسأله عن الصحة، يذكّرنا بممارسة الاستقطاب وبان من فعلها بالأمس ينتظره مثلها اليوم.
وهكذا صار الترحال موضوعاً، والاستقطاب إنجازاً، وعدد الوافدين مؤشراً على القوة.
ويكفي أن نتابع ما جرى خلال الأيام الأخيرة انتقالات لم يعرف مشهدنا السياسي مثلها من قبل، بأعداد وعلنية لم نألفها. لم تعد تُدبَّر في الكواليس؛ بل تُعلن، ويُحتفى بها، وتُقدَّم دليلاً على الجاذبية السياسية.
بل صار الحزب يفتخر بمن استقطب أكثر مما يفتخر بما أنجز، ويُقدَّم المرشح بحجم رصيده الانتخابي أكثر مما يُقدَّم ببرنامجه أو بما سيضيفه إلى المؤسسة التي يريد تمثيل المواطنين داخلها.
وللأمر ميزة لا تُقدَّر بثمن:
الحديث عن الخصم لا يحتاج أرقاماً.
أما التعليم فيحتاج أن تقول كم أنفقت، وماذا تغيّر. والصحة تحتاج مؤشرات.والشغل يحتاج نتائج.والقدرة الشرائية تحتاج مقارنة بين الوعود وما وقع فعلاً.
وهذا أكثر تعباً.
ثالثاً: عِدْ… ولا تحسب
زيادات. إعفاءات. مجانيات.دعم مضاعف.رفع للمعاشات. توسيع للحماية الاجتماعية.
مطالب تبقى مشروعة في معظمها. فمن يعترض من حيث المبدأ على تحسين دخل المواطن أو معاش المتقاعد أو جودة الخدمات؟
المشكل ليس في جمال الوعد.
المشكل في الفاتورة. حيث اذا اجمعنا ما يُوعَد به خلال موسم انتخابي واحد، سنجد عشرات المليارات من الدراهم من النفقات الإضافية.
والملاحظ ان بعض البرامج صارت تعلن كلفتها بالأرقام. وهذه خطوة تُحسب لها، وتستحق التنويه لأننا لم نعتدها.
لكن الكلفة شيء، والتمويل شيء آخر تماماً.فحين ننتقل من سؤال «كم يكلّف؟» إلى سؤال «من أين سيأتي؟»، يتغير الجواب: ونجد سطراً، أو نجد مقارنة بما أُنفق سابقاً، أو لا نجد شيئاً.
وأن يكون إنفاقا سابقا قد ضاع دون نتيجة، فذلك سبب إضافي للمحاسبة عليه. لكنه لا يخلق موارد جديدة لتمويل ما هو قادم.
فالميزانية لا تُموَّل بالمقارنات. تُموَّل بالضريبة أو بالاقتراض. ولا ثالث لهما.
بل قد نجد في البرنامج نفسه وعدا بزيادة النفقات ووعدا آخر بتخفيض الضرائب، دون أن يقال لنا كيف ستستقيم المعادلة.
لانه عملية حسابية لم يعرفها علم المالية بعد. ولا أحد يحب الحديث عن المديونية.
ولا عن خدمة الدين وما تستنزفه سنوياً من موارد كان يمكن أن تذهب إلى الاستثمار والخدمات العمومية.
ولا أحد تقريباً يفتح ملف النفقات الجبائية والإعفاءات، رغم أن الأمر يتعلق بعشرات المليارات من الموارد التي تتخلى عنها الدولة.
ولا أحد يضع أمام المواطن الفاتورة الكاملة للسنوات المقبلة: الحماية الاجتماعية، والاستثمار العمومي، والتنمية المجالية، والاستحقاقات الرياضية الكبرى، والأوراش المرتبطة بالأقاليم الجنوبية، فضلاً عن التعليم والصحة والماء والتقاعد.
كلها مطالب وأوراش لها مشروعيتها.
لكنها كلها تخرج، في النهاية، من موارد عامة محدودة.
الفاتورة موجودة دائماً. فقط هي لا تصل إلى الناخب إلا بعد الاقتراع.
رابعاً: ومن سيُنزل كل هذا؟
وهنا نصل إلى الجزء الذي يُنسى عادة في البرامج الانتخابية.
فالبرنامج لا ينفذ نفسه.
كل وعد كبير يحتاج، عاجلاً أو آجلاً، إلى قانون أو مرسوم أو اعتماد مالي أو مؤسسة تنفذه.
الضريبة قانون. والتقاعد قانون.
والدعم يحتاج قواعد ومساطر واعتمادات.والسياسات الاجتماعية تحتاج قوانين مالية سنوية. أي إن كثيراً ممن نراهم اليوم في التجمعات، أو من سيحصلون على المقاعد غداً، هم أنفسهم من سيتولون تحويل الوعود إلى قواعد قانونية وقرارات مالية.
وهنا يحق لنا أن نسأل:
هل يعرف المرشح ما في البرنامج الذي يترشح باسمه؟
وقبل ذلك: هل قرأه؟
فالمشكلة ليست فقط في جودة البرنامج، وإنما أيضاً في نوعية المؤسسة التي ستترجمه إلى قوانين.
وقد رأينا كيف يمكن أن يتحول البرلمان إلى أغلبية عددية أكثر منه فضاءً لصناعة التوافق حول الإصلاحات الكبرى. والتصويت العددي يستطيع أن يُنتج نصاً.
لكنه لا يضمن، وحده، قانوناً جيداً. فتُعدّل بعض النصوص بعد مدة قصيرة، أو تتأخر نصوصها التطبيقية، أو تظهر عند التنفيذ مشاكل لم تكن محسوبة بما يكفي عند الإعداد.
وتبقى المفارقة:أغلبية تستطيع أن تصوّت ولا تحتاج دائماً إلى أن تقنع، ومعارضة تستطيع أن تناقش ولا تملك وحدها العدد الكافي لتغيّر النتيجة.
لذلك، قبل أن تسألوا فقط عن البرنامج، اسألوا أيضاً:
من سيصوّت عليه؟ ومن سيحوّله إلى قانون؟
وفي النهاية ستُعلن نسبة المشاركة. وسنسمع من جديد عن العزوف، وعن أزمة الثقة، وعن ضرورة مصالحة الشباب مع السياسة.
وستُنظم الندوات.وستُكتب التقارير. لكن قليلاً من الناس سيقولون الحقيقة الأبسط:
المواطن راكم سنوات طويلة من التجربة، وتعلّم قواعد اللعبة.
تعلّم أن الوعد يُقال قبل الانتخابات. وأن الحصيلة نادراً ما تُستدعى عند الانتخابات التالية.
وقبل أن يسارع الطبّالة إلى اقتطاع جملة من هذا الكلام ليصنعوا منها ما ليس فيه، أقولها بوضوح:
أنا ضد المقاطعة.كنت ضدها في 2021، وما زلت. لأن من يبقى في بيته لا يعاقب أحداً؛ بل قد يقدم خدمة لمن يملك أصلاً قواعد انتخابية منظمة وجاهزة للتصويت.كلما غاب الناخب المستقل، ازداد الوزن النسبي للأصوات المعبأة سلفاً.
والصندوق، على محدوديته، يظل الأداة الديمقراطية المتاحة للمواطن كي يختار ويعاقب ويكافئ.
ومن يريد تغيير السياسة لا يستطيع أن يتركها بالكامل لمن لا يريد تغييرهم.
فلنشارك.ولنسأل.ولنحاسب.
ولنبدأ بسؤال واحد نطرحه على كل من يقرع أبوابنا طالباً تجديد الثقة:ماذا فعلتَ في السنوات الخمس الماضية؟
ومن كان في المعارضة نسأله ماذا فعل بمعارضته.
ومن كان في الأغلبية نسأله ماذا فعل بسلطته.
ومن يعدنا بمليارات جديدة نسأله من أين سيأتي بها.
ومن يَعِد بإصلاح جديد نسأله ماذا حدث للإصلاح السابق.
فالانتخابات ليست فقط موعداً لاختيار المستقبل. إنها الموعد الذي يفترض أن نحاسب فيه الماضي. ومشكلتنا أننا نبدأ كل انتخابات من المستقبل، حتى لا نحاسب أحداً على الماضي.
فمتى نبدأ من الماضي، ولو مرة واحدة؟
حميد النهري