14/05/2026
التكييف القانوني لأخذ مقاسات النساء في محال الخياطة وفق القانون السوري
أولاً: الإطار القانوني العام
إن مسألة قيام عامل أو خياط بأخذ مقاسات امرأة داخل محل خياطة أو تفصيل نسائي لا يمكن توصيفها قانوناً بصورة مطلقة باعتبارها جريمة، لأن قانون العقوبات السوري يقوم على مبدأ أساسي مفاده:
“لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني.”
وعليه، فإن مجرد حصول ملامسة جسدية عارضة أو مهنية تقتضيها طبيعة العمل لا يكفي وحده لقيام المسؤولية الجزائية، ما لم يقترن الفعل بقصد جرمي أو بسلوك منافٍ للحشمة أو ذي دلالة جنسية واضحة.
ويُترك تقدير ذلك لقاضي الموضوع وفق ظروف الواقعة، وطبيعة الملامسة، وسلوك الفاعل، ومدى تجاوز حدود الضرورة المهنية.
ثانياً: التمييز بين العمل المهني والفعل الجرمي
1- الحالة التي لا تشكل جرماً
إذا قام الخياط أو العامل بأخذ المقاسات:
داخل محل تجاري مفتوح،
وبحضور العاملات أو الزبائن،
وبالقدر الضروري لإنجاز العمل،
ومن دون تعمد ملامسة مواضع حساسة،
ومن دون ألفاظ أو إيحاءات أو تصرفات ذات طابع جنسي،
فإن الفعل يبقى ضمن نطاق العمل المهني المشروع، ولا تتوافر فيه أركان الجريمة.
مثال تطبيقي:
قيام خياط بقياس طول العباءة أو محيط الخصر باستخدام شريط القياس بصورة سريعة ومهنية، مع التزامه حدود العمل ومن دون أي سلوك مريب، لا يشكل جرماً معاقباً عليه.
2- الحالة التي قد تشكل جرماً
أما إذا استغل العامل طبيعة العمل للقيام بأفعال تتجاوز الضرورة المهنية، كأن:
يكرر اللمس دون حاجة،
أو يلامس الجسد ببطء أو بطريقة موحية،
أو يتعمد لمس الصدر أو الأرداف أو مناطق حساسة،
أو يقترب بصورة تحمل دلالة جنسية،
أو يتلفظ بعبارات خادشة للحياء،
أو يطلب من المرأة أوضاعاً غير لازمة لأخذ القياس،
فإن الفعل يخرج من إطار العمل المهني ويدخل في نطاق الأفعال المنافية للحشمة أو التحرش.
وفي هذه الحالة يمكن تطبيق النصوص المتعلقة:
بالفعل المنافي للحشمة،
أو التعرض للآداب العامة،
أو التحرش، بحسب ظروف الواقعة والأدلة المتوافرة.
مثال تطبيقي:
إذا تعمد العامل أثناء أخذ المقاس تمرير يده على جسد الزبونة بصورة متكررة ومن دون ضرورة فنية، أو أطلق تعليقات ذات إيحاء جنسي، فإن ذلك يشكل قرينة على وجود قصد منافٍ للحشمة ويبرر الملاحقة الجزائية.
ثالثاً: القصد الجرمي وأثره في التكييف
إن العنصر الأساسي في مثل هذه الوقائع هو “القصد الجرمي”.
فالقانون السوري لا يعاقب على اللمس العرضي أو المهني المجرد، وإنما يعاقب على:
الفعل المقترن بنية التحرش،
أو السلوك الخادش للحياء،
أو استغلال المرأة تحت ستار العمل.
ولهذا فإن المحكمة تنظر عادة إلى:
طريقة التصرف،
ومدى الحاجة الفعلية للمس،
وتكرار السلوك،
وشهادة المجني عليها،
وظروف المكان،
وسوابق العامل إن وجدت.
رابعاً: مسؤولية صاحب المحل
قد تثور مسؤولية صاحب المحل إذا ثبت:
علمه بوقوع تجاوزات متكررة،
أو تستره على شكاوى الزبائن،
أو تشغيله أشخاصاً عرف عنهم التحرش،
أو امتناعه عن اتخاذ إجراءات تمنع الانتهاكات.
أما مجرد تشغيل رجل في محل تفصيل نسائي فلا يشكل بحد ذاته مخالفة جزائية في القانون السوري.
خامساً: الخلاصة القانونية
إن القانون السوري يميز بوضوح بين:
اللمس المهني الذي تفرضه طبيعة العمل، و
اللمس المقصود ذي الطابع الجنسي أو المنافي للحشمة.
وعليه، فإن أخذ المقاسات لا يُعد جريمة بصورة تلقائية، وإنما تتحقق المسؤولية الجزائية فقط عند ثبوت:
التعمد،
أو التحرش،
أو تجاوز حدود الضرورة المهنية،
أو قيام سلوك خادش للحياء والآداب العامة.
ويبقى تقدير ذلك خاضعاً لسلطة القضاء وفق وقائع كل قضية على حدة.