Generations and Technology University

Generations and Technology University جامعة هدفها نشر العلم والمعرفة وتجهيز جيل واع

"قلعة طروادة التاريخية" للدكتور محمد معروف الدواليبيقراءة تعريفية وتحليلية(مع مناقشة منهجية لبعض الإشكاليات)الملخص:يقدم ...
06/20/2026

"قلعة طروادة التاريخية" للدكتور محمد معروف الدواليبي
قراءة تعريفية وتحليلية
(مع مناقشة منهجية لبعض الإشكاليات)

الملخص:
يقدم هذا المقال قراءة نقدية لكتاب "قلعة طروادة التاريخية" للدكتور محمد معروف الدواليبي (الصادر عام 1993)، والذي يسعى إلى إثبات الأصل العربي الفينيقي لمدينة طروادة. يستعرض المقال نقاط القوة في الكتاب، ثم يناقش بعض الإشكاليات المنهجية التي يثيرها، ويخلص إلى تقييم الكتاب كـ"وثيقة فكرية" تعكس تيارًا من تيارات الكتابة التاريخية العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، مع الإشارة إلى قيمته كمدخل محفز للتساؤل وكمادة بصرية غنية، وليس كمرجع أكاديمي معتمد في تاريخ طروادة.
الكلمات المفتاحية: طروادة، الدواليبي، فينيقيون، تاريخ قومي، نقد منهجي.
تمهيد: من أصول الفقه إلى أعماق التاريخ
ليس الدكتور محمد معروف الدواليبي غريبًا على الباحثين في العلوم الشرعية والقانونية، فهو صاحب "المدخل إلى علم أصول الفقه" الذي ناقشناه في مقالات سابقة. لكن القليلين يعرفون أن للدواليبي اهتمامًا تاريخيًا موسعًا، تجلى في كتابيه "المدخل إلى التاريخ العام للقانون" (1963)، و"قلعة طروادة التاريخية" (1993) الذي بين أيدينا. وهذا الأخير يعتبر امتدادًا عمليًا لأفكار ذلك المدخل، حيث يطبق فيه منهجه في تتبع جذور الحضارة الغربية إلى الشرق العربي.
صدر الكتاب عام 1993 عن دار الشواف في الرياض، وهو ليس مجرد عرض لتاريخ مدينة طروادة كما هو معروف في المصادر الكلاسيكية، بل هو محاولة جريئة لإعادة كتابة تاريخ الحضارة الأوروبية من زاوية عربية – فينيقية، وإثبات أن العرب (الكنعانيين/الفينيقيين) هم من أسسوا الحضارة في أوروبا، وأن طروادة ليست يونانية أو أناضولية، بل هي "قلعة فينيقية" على الدردنيل.
يُذكر أن الدكتور الدواليبي توفي في 15 يناير 2004م، عن عمر يناهز الخامسة و التسعين عامًا، وكان هذا الكتاب من أواخر أعماله العلمية.
أولاً: تعريف بالكتاب وسياقه
المعلومات الببليوغرافية:
· العنوان: "قلعة طروادة التاريخية"
· المؤلف: الدكتور محمد معروف الدواليبي (رئيس وزراء سوريا الأسبق، وأستاذ القانون الروماني وأصول الفقه)
· الناشر: دار الشواف للنشر والتوزيع (الرياض، السعودية)
· سنة النشر: 1993
السياق الفكري للكتاب:
يأتي هذا الكتاب في إطار ما يمكن تسميته "التاريخ القومي العربي" أو "الكتابة التاريخية الدفاعية"، التي ازدهرت في منتصف القرن العشرين كرد فعل على الاستشراق الأوروبي. الدواليبي، بتكوينه الفرنسي وإتقانه للغات الأوروبية، استطاع أن يقرأ المصادر الغربية من مصادرها الأصلية، وأن يستخدمها في محاولة لإعادة قراءة تاريخ طروادة من منظور عربي.
ثانيًا: هيكل الكتاب ومنهجه
ينقسم الكتاب إلى عدة مباحث، تتدرج من عرض "أسطورة طروادة" إلى التحليل التاريخي واللغوي، وصولاً إلى المحاولة لإثبات أن طروادة فينيقية الأصل.
1. البداية الأسطورية: يستهل الدواليبي كتابه بالإشارة إلى مكانة طروادة في الأدب والتاريخ، ويطرح سؤالاً محوريًا: "المدينة نفسها أين هي؟"
2. مزايا الموقع وسكان طروادة: يؤكد أن موقع طروادة الاستراتيجي لا يمكن أن يستغله إلا "شعب ذكي"، ويستشهد بآراء علماء آثار غربيين ليصف طروادة الثانية بأنها مدينة متحضرة وأهلها "عباقرة في صناعة المعادن".
3. اتساع تجارة طروادة: يعرض أدلة على أن تجارة طروادة الثانية امتدت من أواسط آسيا إلى أعالي الدانوب.
4. طريقة الاستبعاد: ينفي أن تكون الشعوب المحيطة بطروادة (الحشيون، الفريجيون، الليديون، اليونان) هي أصل الطرواديين، ثم يخلص إلى أن الأصول لا يمكن البحث عنها إلا في "شعوب الشرق القديم".
5. البحث في الهجرات العربية القديمة: يستشهد بروايات يونانية (هيرودوت) عن "قدموس الفينيقي"، وينقل عن علماء آثار غربيين أن "أهل الشرق القديم" سافروا إلى أوروبا بحثًا عن المعادن.
6. التحليل اللغوي: ينقل عن المستشرق "هيلي دو بارانتون" أن كلمة "طروادة" تعني في اللغة "الإتروسكية – الفينيقية": "قلعة على الشاطئ".
7. النتيجة النهائية: يخلص الدواليبي إلى أن الطروادين هم من الشعوب الحضارية العربية العريقة.
ثالثًا: نقاط القوة في الكتاب
أولاً: الاطلاع المباشر على المصادر الغربية:
بخلاف كثير من الكتاب العرب المعاصرين، يقرأ الدواليبي الموسوعات الفرنسية والإنجليزية، ويستشهد بأعلام الآثار الغربية (هامِرتن، تشايد، ويس، بارانتون). هذا يمنح كتابه قوة ظاهرية.
ثانياً: استخدام منهج الاستبعاد:
هو منهج منطقي معروف في البحث التاريخي. الدواليبي يطبقه بطريقة منظمة: يستعرض كل الشعوب المحيطة بطروادة، ويبين لماذا لا يمكن أن تكون هي الأصل.
ثالثاً: الجمع بين التاريخ والآثار واللغويات:
يحاول الدواليبي أن يكون "متعدد التخصصات"، مما يضفي على الكتاب طابعًا موسوعيًا.
رابعاً: المادة البصرية الغنية:
يضم الكتاب عشرات اللوحات والصور الفوتوغرافية والخرائط، التي تعرض طبقات طروادة المتعاقبة ونماذج من الفخار والمجوهرات. هذه الصور تمنح القارئ غير المتخصص فرصة "مشاهدة" المدينة التي يقرأ عنها، وتجعل الكتاب أقرب إلى "ألبوم أثري" منه إلى كتاب تاريخي جاف.
رابعًا: مناقشة لبعض الإشكاليات المنهجية
قبل الإشارة إلى بعض الملاحظات المنهجية، نستمع إلى حوار افتراضي يجمع بين ناقد أكاديمي (ن) وباحث مناصر للدواليبي (ب)، يتناول أبرز النقاط التي أثارها الكتاب:
ن: من الملاحظ أن الكتاب يعتمد على انتقائية في الاستشهاد، حيث ينقل عن مستشرقين مثل "هامِرتن" و"تشايد" عندما تدعم آراؤهم أطروحته، بينما تغيب الإشارة إلى آراء علماء آثار آخرين يرون في طروادة مدينة أناضولية. ألا ترى أن هذا يضعف موضوعية البحث؟
ب: ليس صحيحًا أن الدواليبي تجاهل الآراء المخالفة، بل إنه ناقشها ضمنيًا بطريقة "الاستبعاد" حين رفض أن تكون الشعوب المحيطة أصولاً لطروادة. كما أن "الإجماع" الأكاديمي الغربي ليس حقيقة مطلقة، بل هو نتاج تقاليد بحثية تأثرت بوجهات نظر معينة.
ن: حتى لو قبلنا بوجود تأثير فينيقي في طروادة، فهل يعني هذا أن سكانها كانوا فينيقيين عرقياً؟ أليس هناك خلط بين "التأثير الحضاري" و"الأصل العرقي"؟
ب: هذا التمييز بين التأثير والأصل هو تمييز أكاديمي حديث لا ينطبق على العصور القديمة بنفس الدرجة. عندما نجد أن لغة طروادة تحمل عناصر فينيقية، وعمارتها تشبه المدن الفينيقية، وآلهتها أصلها شرقي، فهذا يبرر القول بأن طروادة فينيقية بمعنى "الحاضنة الحضارية".
ن: ولكن الدواليبي يعتمد بشكل كبير على روايات هيرودوت والأساطير اليونانية عن "قدموس الفينيقي". هيرودوت عاش بعد طروادة بأكثر من ألف سنة، ورواياته عن قدموس هي قصص تأسيسية وليست وثائق تاريخية. كيف يمكن أن نأخذها كدليل؟
ب: المؤرخون الغربيون أنفسهم يعتمدون على هيرودوت في تفاصيل كثيرة عن التاريخ اليوناني والفارسي. ما دامت روايات هيرودوت تتوافق مع بعض الأدلة الأثرية، فلماذا نرفضها لمجرد أنها "أسطورة"؟ الأساطير غالبًا ما تحتفظ بذاكرة تاريخية.
ن: ماذا عن التحليل اللغوي؟ تقطيع كلمة "طروادة" إلى مقاطع والربط بينها وبين "أروادة" – ألا يعتبر هذا تحليلاً غير منهجي في علم اللغة الحديث؟
ب: التحليل اللغوي الذي يقدمه الدواليبي مبني على دراسات استشراقية كانت سائدة في القرن التاسع عشر. التشابه بين "طروادة" و"أروادة" من حيث التركيب الصوتي والمعنى لا يمكن تفسيره بالصدفة، خاصة مع وجود ثلاث مدن بنفس الاسم في مواقع مختلفة.
ن: أخيرًا، ألا ترى أن الدواليبي يبدأ بنتيجة مسبقة – "سبق العرب" – ثم يبحث عن أدلة تؤيدها؟ أليس هذا منهجًا دفاعيًا أيديولوجيًا أكثر منه بحثًا أكاديميًا متزنًا؟
ب: كل مؤرخ يكتب من خلفية ثقافية، سواء اعترف بذلك أم لا. المؤرخون الغربيون الذين يكتبون عن طروادة هم أيضًا متأثرون بوجهات نظر معينة. الدواليبي لم يخترع الأدلة، بل وجدها في المصادر الغربية نفسها. ما يفعله هو محاولة لتقديم قراءة مغايرة تستحق المناقشة.
نختصر الحوار: يبدو أن الطرفين يتفقان على أن الكتاب مثير للجدل، وأن بعض أدلته قابلة للنقاش. الخلاف يدور حول درجة الموضوعية والمنهجية.
خامسًا: خلاصة وتقييم نهائي
بعد استعراض الكتاب ومناقشة بعض إشكالياته المنهجية، يمكن الخلوص إلى الآتي:
لا يمكن إنكار أن كتاب "قلعة طروادة التاريخية" ليس عملاً أكاديميًا بالمعنى الدقيق من حيث الحياد التام، فالرغبة في إثبات "سبق العرب" واضحة في كثير من فصوله. لكن هذا لا يعني أن الكتاب عديم القيمة. قيمته تكمن في:
1. فتح باب التساؤل حول السردية اليونانية المهيمنة على تاريخ طروادة.
2. لفت الانتباه إلى دور الفينيقيين في نشر الحضارة في أوروبا – دور قد يُقلل منه في بعض المراجع الغربية.
3. تقديم نموذج للباحث العربي يقرأ المصادر الغربية بعين ناقدة.
4. المادة البصرية الغنية (الصور، الخرائط، اللوحات) التي تبقى ذات قيمة علمية وتوثيقية مستقلة.
5. توثيق جانب مهم من تاريخ الفكر القومي العربي في منتصف القرن العشرين.
الموقف الأكثر إنصافًا: يمكن قراءة كتاب الدواليبي كـ"وثيقة فكرية" و"مشروع قومي" قبل أن نقرأه كـ"بحث تاريخي" بالمعنى الأكاديمي الضيق. فإذا أردنا أن نعرف كيف فكر المثقفون العرب في مرحلة معينة، وكيف واجهوا الرواية الاستشراقية، فإن هذا الكتاب يقدم إجابة غنية. أما إذا أردنا أن نعرف "الحقيقة التاريخية" المتوافق عليها حول طروادة، فعلينا الرجوع إلى المناهج الأكاديمية المعاصرة التي توازن بين النقد الداخلي والخارجي وبين الأدلة المختلفة.
خاتمة وتوصيات للقارئ
خلاصة الكتاب:
"قلعة طروادة التاريخية" هو كتاب مشوق، جريء، يقدم أطروحة غير تقليدية عن أصول مدينة طروادة. لكنه يثير بعض الإشكاليات المنهجية التي تستحق التوقف عندها، منها: الميل إلى انتقائية الاستشهاد، والتسريع أحيانًا في القفز من التأثير الحضاري إلى إثبات الأصل العرقي، والاعتماد في بعض المواضع على مصادر أسطورية قد لا ترقى إلى مستوى الإثبات القاطع. ومع ذلك، تظل المادة البصرية الغنية ذات قيمة علمية، ويبقى الكتاب وثيقة مهمة لفهم عقلية النهضة العربية في القرن العشرين.
توصيات للقارئ:
· يُوصى بقراءة هذا الكتاب في إطار فهم "تيارات الكتابة التاريخية العربية" في النصف الثاني من القرن العشرين، مع الأخذ في الاعتبار أنه يقدم أطروحة غير تقليدية تختلف عن السردية الأكاديمية السائدة حول طروادة.
· لمن يريد فهماً موضوعياً لتاريخ طروادة، يُنصح بالرجوع إلى المراجع الأكاديمية الحديثة (أعمال مانفريد كورفمان، تريفور برايس، إريك كلاين).
· يمكن الاستفادة من الكتاب في فهارسه وخرائطه وصوره وبعض المعلومات عن تنقل المعادن في العالم القديم، مع التحفظ على بعض الاستنتاجات النهائية.

الأستاذ الدكتور محمد سعيد مصطفى أركي

كلية الآداب والعلوم الإنسانية

قسم الدراسات الإسلامية

Generations and Technology University

جامعة Generations and Technology University

https://gtuedu.org/post/318

كان الأجدر أن ينصرف الاهتمام من الحديث عن “التأويل الحداثي للتراث” إلى الحديث عن “التأويل الإسلامي للحداثة”. فالأول إن ص...
06/19/2026

كان الأجدر أن ينصرف الاهتمام من الحديث عن “التأويل الحداثي للتراث” إلى الحديث عن “التأويل الإسلامي للحداثة”. فالأول إن صح وصفه كذلك مشروعٌ يتولاه في الغالب باحثون أكاديميون محدودو التأثير الجماهيري، أما الثاني فينهض به دعاة وخطباء ومؤثرون يتوجهون إلى جمهور واسع، ويملكون قدرة أكبر على تشكيل الوعي العام وتوجيه التصورات. لذلك فإن أثره الاجتماعي وانتشاره الشعبي يفوقان بكثير أثر ذلك الجهد الأكاديمي الذي يُبالغ بعضهم في تضخيم حضوره وخطورته
د. رائد السمهوري

التلاعب بالغذاء والدواء.. صناعة الأمراض كاستثمار أبديتضاعفت أمراض المناعة والسرطان عشرة أضعاف خلال عقد واحد فقط، ليس بسب...
06/19/2026

التلاعب بالغذاء والدواء.. صناعة الأمراض كاستثمار أبدي

تضاعفت أمراض المناعة والسرطان عشرة أضعاف خلال عقد واحد فقط، ليس بسبب طفرة طبيعية، بل لأن ما وُضع على موائد الناس كان سلاحاً بيولوجياً بامتياز.

في زمن تغيب فيه الأخلاق عن ضمائر الحكام، وتصبح الشعوب مجرد حقول تجارب، تبرز حكايات كالتي نقرأها في هذه المذكرات، ليس للتسلية، بل للكشف عن آليات ممنهجة في تدمير المجتمعات من بوابات الطعام والدواء. إنها قصة تحول المؤسسات العلمية والزراعية إلى أدوات لهندسة بشرية جديدة، يملؤها الخمول والمرض، وتُربط بسلاسل التبعية الصحية والاقتصادية.

البذور القاتلة.. عندما يتحول الخبز إلى سم

لم يكن المشروع مجرد تحديث للقطاع الزراعي، بل كان خطة محكمة بدأت بتغيير طبيعة البذور والأسمدة. فتحت ذريعة المقاومة للآفات، عُدلت مورثات النباتات، لتصبح غير مناسبة لهضم الإنسان، فتفشت الحساسيات وأمراض القولون والعصبية المزمنة. لم يتوقف الأمر عند الخضار والحبوب، بل امتد إلى استبدال القمح المحلي بآخر مستورد، يملك خصائص لزجة على جدران الأمعاء، مما أضعف امتصاص الغذاء وأثقل كاهل الكبد.

مداجن الهرمونات.. جيل منهك ومشوه

أما في قطاع الثروة الحيوانية، فكانت المداجن الضخمة هي السلاح الأكثر فاعلية. اعتمدت على أعلاف مشبعة بهرمونات أنثوية، جعلت الدجاج ينمو في أسابيع، وأغرقته بهرمونات غيرت موازين الهرمونات البشرية. كانت النتيجة صادمة: بلوغ مبكر للفتيات في سن الثامنة، عقم متفشٍ بين الجنسين، وتشوهات خلقية، إضافة إلى سمنة وخمول ذهني لدى الذكور، وهبوط حاد في الإنتاجية الفكرية.

مشاهد من واقع معاش

تخيل أمّاً تفقد طفلها الرضيع بسبب تشوه خلقي لم يكن معروفاً في عائلتها، أو شاباً في مقتبل عمره يكتشف أنه عاقر دون سبب واضح، أو فتاة تبلغ في التاسعة من عمرها وتحمل جسد امرأة وعقل طفلة. هذه ليست قصصاً من الخيال العلمي، بل هي انعكاس لواقع صامت يعيشه الملايين، حيث يتحول الغذاء اليومي إلى قنبلة موقوتة، والأدوية إلى مسكنات مؤقتة تبقي المريض على قيد الألم.

لقاحات وهمية وجيوش من الأمراض المستجدة

لم تكن اللقاحات الإلزامية سوى غطاء لتجارب موسعة. فبذريعة "رعاية الطفل"، حُقن الأطفال بعشرات اللقاحات غير المختبرة بالكامل، مما هيأ أجسادهم لاستقبال موجات من الأمراض الجلدية والتنفسية والسرطانية. وازدادت نسب السرطانات كالثدي والرحم، وتحولت المستشفيات إلى خط إنتاج للمرضى الدائمين.

اختفاء العلاج وبقاء المسكن

الأدهى أن الأدوية الفعالة التي جُربت على قلة من المحظوظين اختفت بعد نجاحها، وحل محلها نسخ مضعفة تحمل الأسماء ذاتها، لا تعالج بل تخفف الأوجاع مؤقتاً، مما يضمن عودة المريض إلى الصيدلية شهرياً. وقد ضمنت هذه الدورة المريضة أرباحاً فلكية، تقاسمتها النخب الحاكمة مع الوسطاء، بينما غرق الناس في دوامة من المرض والتبعية.

خاتمة: وعي أم انهيار؟

هذه الرواية، رغم مبالغاتها الدرامية، تحمل رسالة حقيقية: من يملك الغذاء والدواء، يملك القدرة على تشكيل المجتمعات وفق مصالحه. وإن لم نكن في عالم الروايات، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بجدية هو: كيف نحمي أنفسنا من احتكار القطاعين الصحي والزراعي؟ وكيف نضمن شفافية ما يصل إلى موائدنا وأجسادنا؟

الوعي هو اللقاح الحقيقي، واليقظة هي أول خطوة نحو الاستقلال الصحي والفكري.

إخلاء المسؤولية:
هذا المقال مستوحى من قصة خيالية، ولا يمثل أي دولة أو مؤسسة أو جهة بعينها. وهو يهدف إلى إثارة النقاش حول مخاطر احتكار الغذاء والدواء، وليس اتهاماً لأي طرف محدد.

البروفسور مهران بيك أبو المجد Mahran Bekabulmajd
Mahran Bek Abalmajd
Mehran Abulmajd

7/7/1957

 :        .                   ًمنه_ألعب.     هذا مطلع قصيدة لشاعر البعث "سليمان العيسى" أكادُ أجزُم أنها لم تكن مُجرّد أ...
06/19/2026

:

.
ًمنه_ألعب.
هذا مطلع قصيدة لشاعر البعث "سليمان العيسى" أكادُ أجزُم أنها لم تكن مُجرّد أهزوجة للأطفال بقدر ماكانت تعميما لثقافة معينة أريد لها أن تكون بديلاً سيئاً لحالة أكثر سوءاً هي ثقافة #الأرنبة المطلوبة بدلاً عن ثقافة #الدببة التي كانت سائدة ومفروضة على الناس والتي مازال أغلبهم يعيشها حتى اليوم.
هذه الثقافة التي جعلت الناس يتّخِذون من "الخوف" خير واقٍ من كل شرٍّ مُحتمل قد ينزلُ بهم أو قريباً منّهم! حتى صارو يخافون من ظلِّهم الذي لولاهم لماكان أصلاً!.
ولقاء "ثقافة الخوف" تلك كانت هناك بشارات للأرانب إذا هي التزمت بسلوكِ القطيع والتزمت بقواعد اللعبة _ كما فعل أرنب "سليمان "
وبدأت ٍ_خضر
التي تبين لنا أنها ليست أوراق الشجر في البستان كما تصوِّر الأهزوجة ،بل هي أوراق "الدولار" التي كان يبحث عنها هذا الأرنب ثم
!
لتأتي بعد ذلك الخاتمة المُطمئِنة للأرنب ولبقية قطيع الأرانب:
ّي_ياأرنب
.!
وهاهم "أطراف الصراع" اليوم:
" مُربّو الأرانب" ومُدرِّبو الثعالب" يلعبون معاً لعبة "عسكر وحرامية".
ويغروننا ب"الأوراق الخضر" التي هي في حقيقتها أثماناً للحوم الأرانب وجلودِ الثعالب!
#هم بدور المُدربين والمُربين ،
#ونحن بدور الأرانب والثعالب !
د.مروان بحري D.Mervan Bahri

Mervan Bahri

مع تحيات كلية العلوم الاجتماعية

Generations and Technology University

في سبيلِ العِلمِ:المدرسة الخسرويّة في حلب!؟بقلم الأستاذ الدكتور عداب محمود الحمش بسم الله الرحمن الرحيم(وَمَا كَانَ الْم...
06/18/2026

في سبيلِ العِلمِ:
المدرسة الخسرويّة في حلب!؟

بقلم الأستاذ الدكتور عداب محمود الحمش

بسم الله الرحمن الرحيم
(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) [التوبة].
أمّا بعد: سمعةُ «المدرسة الخسرويّة» عاليةٌ جدّاً، في أوساط المتديّنين وطلبة العلم السوريّين.
وتعودُ نسبةُ المدرسة الخسرويّة، إلى والي مدينة حلب في الدولة العثمانية (خسرو بن سنان باشا) التركي، وقد أمر بإنشائها في منتصف القرن العاشر الهجريّ (951 هـ).
وقد قامت بنشاط علميّ ظاهر منذ تاريخ إنشائها، حتى أصابَ مدينة حلب زلزالٌ كبير ، عام (1237 هـ) فتوقّف عطاؤها.
ثمّ أُعيد افتتاح المدرسة، عام (1340 هـ) بمساعي مدير أوقاف حلب في ذلك الزمان، السيّد يحيى الكيّالي رحمه الله تعالى.
عندما كنتُ صغيراً في المرحلة الابتدائيّة؛ كنتُ أسمع في مضافة جدي الحاجّ إبراهيم الحمش أسماءَ علماء حمويّين كبارٍ، تخرّجوا من «المدرسة الخسرويّة» منهم شيوخنا الكرام «محمّد الحامد، ومحمد علي المراد، وسعد الدين المراد» فكنتُ أتشوّق إلى الالتحاق بهذه المدرسة.
في تلك الأيّام كان جدّي إبراهيم على صلة قويّة بالشيخ «محمد توفيق الصبّاغ» والشيخ «خالد الشقفة» والشيخ «أحمد سلطان» إضافةً إلى شَيخَي حيّنا «حيِّ الفرّاية» الشافعيَّيْن «عارف ونايف النوشيّ» (1) رحمهم الله تعالى أجمعين.
طلبتُ من جدّي أن يسألَ هؤلاء المشايخ عن «المدرسة الخسرويّة» هذه، وبماذا تمتاز عن «الثانويّة الشرعيّة» في مدينة حماة؟
فسألَ جدّي الشيخَ «نايف النوشي» أوّلَ من سألَ، فقال له: «المدرسة الخسرويّة» في حلب، مثل الثانوية الشرعية في حماة، ومنهاجُ الثانويّات الشرعيّة واحدٌ، في سوريّا كلّها، وأولادُ مشايخنا الحمويّين يَتعلّمون في الثانويّة الشرعيّة بحماة، ولا يلتحقون بالخسرويّة في حلب!
عندها صرفتُ النظرَ عن الالتحاق بهذه المدرسة، وطلبتُ من والدي أنْ ألتحقَ بالمدرسة الشرعية في حماة، بيد أنّ طلبي هذا رُفضَ بشدّةٍ، بدعوى أنّ المدرسة الشرعية يلتحق بها أبناءُ القرى، والطلبة الذين حصلوا على درجاتٍ ضعيفةٍ في الشهادة الابتدائيّة، شأنها في ذلك شأن «مدرسة الصناعة» بينما كنتُ من أوائل المتفوّقين، الذين حصلوا على الشهادة الابتدائيّة في مدينة حماة.
ثمّ علمتُ - فيما بعدُ - أنّ والدي لم يكن يثقُ بالمشايخ الصوفيّة بتاتاً، وكان هواه تبعاً لشيخه الشيخ «سعيد الجابي» الذي لزمه والدي ثلاثَ عشرة سنةً، كما حدّثني، رحمهما الله تعالى.
حصلتُ على «الشهادة الثانوية» الفرع الأدبيّ، وقُبلتُ بكليّة الشريعةِ في جامعة دمشق، وفي كليّة الآداب "قسم اللغة العربية" بجامعة حلب.
في عام (١٩٧٠) تعرّفت في قاعة كلية الشريعة بجامعة دمشق، إلى عددٍ من خرّيجي «الخسرويّة» في حلب، و«الثانويّة الشرعية» في حماة وحمص ودمشق واللاذقيّة، فلم أجد لديهم ذاك العلمَ الغزيرَ، ولا ذاك التميّز المنقطع النظير!
كانوا طلّاباً عاديّين جدّاً، وكانت مشاركاتهم في محاضرات الكليّة محدودةً، وحضورهم لم يكن بذاك!
هذا يعني أنّ الشيوخَ المتخرّجين من «الثانوية الخسروية الشرعيّة» والمتخرّجين من «الثانويّات الشرعية» في بقيّة المحافظات السوريّة، والذين لم يتسنَّ لهم متابعةُ دراساتهم في الجامعاتِ؛ هم حملةُ شهادةٍ ثانويّة فحسب، وأنّ هذا التفخيمَ وذاك التضخيم الذي سمعناه؛ ليسا سوى دعايةٍ إعلاميّة لتضخيم أولئك الشيوخ في أنظار العامّة، وهذا سلوكٌ ما يزال حتى يومنا هذا سائداً بين دارسي الشريعة، وللأسف!
والله تعالى أعلم.
والحمد لله على كلِّ حال.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قد يُستدرك عليّ بأنّ مشايخنا (آل المراد) والشيخ (محمد الحامد) رحمهم الله تعالى؛ هم شيوخ حيّ الفرّاية، والشيخان عارف ونايف؛ ليسا من هذه الطبقة العالية.
والصوابُ في هذه المسألةَ؛ أنّ هؤلاء المشايخ الكرام (رحمهم الله تعالى) لم يكن لهم مثقالُ حبّةِ خردلٍ من أثرٍ في هذا الحيّ، كانوا يسكنون فيه، لكنهم لم يكونوا من أهله، إلى أن بنى أهل الحيّ جامع (سعد بن معاذ) فاستلم إمامة المسجد الشيخُ عبدالوَدود المراد رحمه الله تعالى، عندها صار مشايخنا من أهالي حيّ الفرّاية، وكان بعضُ أودلاهم يؤذوننا فيقولون: (حيّ الفرّاية حيّ أبي جهل) سامحهم الله تعالى.

بين النص والواقع (3)       #الفتنالشام: ( بلاد الشام كلها )؛ لماذا تعود دائماً إلى مركز التاريخ؟الدكتور محمد سعيد السلمو...
06/18/2026

بين النص والواقع (3) #الفتن

الشام: ( بلاد الشام كلها )؛ لماذا تعود دائماً إلى مركز التاريخ؟

الدكتور محمد سعيد السلمو د. محمد سعيد السلمو

أستاذ مساعد في كلية الاداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية.
جامعة أجيال وتكنولوجيا
Generations and Technology University

الشام: ( بلاد الشام كلها )؛ لماذا تعود دائماً إلى مركز التاريخ؟

حين يقرأ الإنسان تاريخ الأمم يلاحظ أن بعض المناطق تمر عبر صفحات التاريخ مرورا عابرا، بينما تبقى مناطق أخرى حاضرة في قلب الأحداث جيلا بعد جيل.
ومن أكثر هذه المناطق حضورا أرض الشام.
فمنذ آلاف السنين كانت هذه الأرض ملتقى الطرق بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، ومعبرا للتجارة والجيوش والهجرات، حتى أصبحت نقطة التقاء الحضارات وميدانا لصراع الإمبراطوريات الكبرى.

لكن المثير للتأمل أن مركزية الشام لا تظهر في كتب التاريخ وحدها، بل نجد لها حضورا واضحا في كثير من النصوص المأثورة.
ففي كتب الفتن والملاحم وأشراط الساعة ترد الشام مرارا بوصفها أرضا تتكرر فيها الأحداث الكبرى والتحولات العظيمة، حتى أصبحت من أكثر الأقاليم ذكرا في هذا الباب.

وهنا ينبغي أن ننتبه إلى قضية مهمة:

إن النصوص لا تدعونا إلى الانشغال بالتكهنات، ولا إلى ربط كل حادثة بآخر الزمان، وإنما تدعونا إلى فهم السنن التي تتكرر في التاريخ.

فالذي يتأمل تاريخ الشام يجد أن موقعها الجغرافي جعلها دائما في مواجهة القوى المتنافسة.
وحين ضعفت الدولة الإسلامية كانت الشام من أولى الساحات التي ظهر فيها أثر ذلك الضعف.
وحين نهض المسلمون كانت الشام كذلك من أولى الساحات التي ظهر فيها أثر النهوض.
ولهذا لم تكن الحملات الصليبية بعيدة عنها، ولا الغزو المغولي، ولا الصراعات الدولية الحديثة.
وكأن الجغرافيا جعلت هذه الأرض مرآة تعكس حال الأمة كلها.
فإذا كانت الأمة قوية ظهرت آثار قوتها فيها.
وإذا كانت الأمة ضعيفة ظهرت آثار ضعفها فيها.
ومن هنا نفهم لماذا تعود الشام إلى مركز الأحداث مرة بعد أخرى.
فالأمر لا يتعلق بالمصادفة وحدها، بل بعوامل متشابكة من الجغرافيا والتاريخ والسياسة وموقع الأرض نفسها.
ولهذا فإن قراءة نصوص الفتن المتعلقة بالشام لا تكتمل دون قراءة تاريخ الشام، كما أن فهم تاريخ الشام يبقى ناقصا إذا أُهملت النصوص الواردة في شأنها.
إنها علاقة بين النص والواقع، بين الخبر والتاريخ، بين السنن التي سجلتها الوقائع، والإشارات التي حفظتها الروايات.
وفي زمن تتسارع فيه الأحداث، يصبح الواجب هو الفهم الهادئ المتزن، لا الانفعال ولا التسرع في إطلاق الأحكام.

فالتاريخ يعلمنا أن كثيرا من الوقائع التي ظنها الناس نهاية المطاف لم تكن إلا مرحلة من مراحل طويلة امتدت بعدها القرون.
ويبقى السؤال:
إذا كانت الشام تمثل قلب المشرق، فأي المدن كانت عبر التاريخ أكثر تعبيرا عن هذا الدور؟
ولماذا ظلت دمشق وحلب والقدس تتكرر أسماؤها كلما انعطف التاريخ نحو مرحلة جديدة؟

د.محمد سعيد السلمو

Generations and Technology جامعة

كلية الآداب والعلوم الإنسانية
قسم الدراسات الإسلامية

بين النص والواقع (2) |  #الفتنحلب في ميزان التاريخ والتحولاتالدكتور محمد سعيد السلمو أستاذ مساعد في كلية الآداب والعلوم ...
06/17/2026

بين النص والواقع (2) | #الفتن

حلب في ميزان التاريخ والتحولات

الدكتور محمد سعيد السلمو

أستاذ مساعد في كلية الآداب والعلوم الإنسانية

حين يتأمل المرء خريطة المشرق يجد مدنا كثيرة تعاقبت عليها الدول والحضارات، لكن قلة من المدن استطاعت أن تبقى حاضرة في قلب الأحداث آلاف السنين كما بقيت حلب.

فليست أهمية حلب وليدة العصر الحديث، ولا هي نتيجة ظرف سياسي عابر، بل هي مدينة صنعتها الجغرافيا قبل أن يصنعها التاريخ.

تقع حلب عند نقطة التقاء الطرق القادمة من الأناضول شمالا، والعراق شرقا، وبلاد الشام جنوبا، وسواحل البحر المتوسط غربا.
ولذلك كانت منذ أقدم العصور محطة للقوافل، ومركزا للتجارة، ومعبرا للجيوش، ومقصدا للملوك والسلاطين.

ومن يقرأ تاريخ المنطقة يلاحظ أن حلب لم تكن في الغالب مدينة هامشية تنتظر ما يجري حولها، بل كانت في كثير من الأحيان أحد مفاتيح التوازن في المشرق كله.

ففي العصور القديمة قامت حولها ممالك عظيمة، وتعاقبت عليها الإمبراطوريات الكبرى، ثم دخلت في قلب التاريخ الإسلامي منذ الفتح، لتصبح واحدة من أهم مدن الشام بل والاسلامية وأشدها تأثيرا.

وحين بدأت الحملات الصليبية لم تكن المواجهة الحقيقية على القدس وحدها، بل كانت حلب إحدى القلاع الكبرى التي أدرك المسلمون أن ضياعها يهدد الشام كلها.

ولهذا ارتبط اسمها برجال كبار من أمثال نور الدين محمود زنكي، الذي جعل من حلب قاعدة لمشروعه الكبير في توحيد الجبهة الإسلامية قبل تحرير القدس.

ومن هنا نفهم درسا مهما من دروس التاريخ:

فإن المدن العظيمة لا تكمن قيمتها فيما تملكه من الأبنية والأسواق فحسب، بل فيما تؤديه من دور في صناعة الأحداث وتوجيه مسارها.

ومع تعاقب القرون بقيت حلب محافظة على مكانتها.

ازدهرت فيها العلوم والصناعات والتجارة، واشتهرت بأسواقها وخاناتها ومساجدها ومدارسها، وخرج منها علماء وأدباء وصناع تركوا بصمتهم في تاريخ الأمة.

ولم يكن موقعها العسكري أقل أهمية من مكانتها الحضارية.

فكل قوة سعت للسيطرة على المشرق أدركت أن المرور بحلب أو السيطرة عليها يمنحها مفتاحا مهما لفهم المنطقة والتحكم في مساراتها.

ولهذا فإن المتأمل في تاريخ الحروب التي شهدتها المنطقة يلاحظ أن اسم حلب يتكرر مرة بعد مرة، وكأن التاريخ يعيد طرح السؤال نفسه في كل عصر:

من يملك مفاتيح حلب؟

ولعل هذا ما يفسر بقاء المدينة في دائرة الاهتمام الدولي والإقليمي حتى يومنا هذا.

فالجغرافيا التي منحتها الأهمية قبل ألف عام ما زالت هي نفسها، والطرق التي التقت عندها الحضارات ما زالت تمر من محيطها، والموقع الذي جعلها مركزاً للتجارة جعلها أيضاً مركزاً للصراع.

لكن حلب ليست مجرد قصة حروب وصراعات.

إنها أيضا قصة حضارة وصمود وتجدد.

مدينة تعرضت لغزوات وزلازل وحصارات وأزمات لا تكاد تحصى، ومع ذلك كانت تنهض في كل مرة لتستأنف دورها من جديد.

ولهذا فإن دراسة حلب ليست دراسة لمدينة واحدة، بل هي نافذة لفهم تاريخ الشام كله، بل جانب مهم من تاريخ المشرق الإسلامي بأسره.

وحين ننتقل من التاريخ إلى النصوص المأثورة المتعلقة بالشام وأحداث آخر الزمان، سنجد أن فهم الجغرافيا والتاريخ ليس أمراً ثانوياً، بل مفتاحا أساسيا لفهم كثير من التحولات التي شهدتها المنطقة عبر القرون.

فهل كانت مركزية الشام في التاريخ مجرد مصادفة؟

أم أن هناك عوامل أعمق جعلت هذه الأرض تعود إلى قلب الأحداث جيلاً بعد جيل؟

الشام: لماذا تعود دائماً إلى مركز التاريخ؟

يتبع...

د.محمد سعيد السلمو

د. محمد سعيد السلمو

أستاذ مساعد في كلية الاداب والعلوم الإنسانية

قسم الدراسات الإسلامية

Generations and Technology University

القتل خارج إطار الدولة: جريمة في القانون والدين والإنسانية(قراءة في الجريمة، المفاسد، وأثر تأخر العدالة الانتقالية)الدكت...
06/16/2026

القتل خارج إطار الدولة: جريمة في القانون والدين والإنسانية

(قراءة في الجريمة، المفاسد، وأثر تأخر العدالة الانتقالية)

الدكتور محمد نضال خلوف

مقدمة

يشكل القتل أو الاغتيال أو أخذ الحقوق خارج نطاق الدولة انتهاكاً صارخاً للقانون الوضعي والشريعة الإسلامية والقانون الدولي، إذ إن هذه الأفعال لا تقوض أسس العدالة فحسب، بل تهدم نسيج المجتمع برمته وتزرع الفوضى محل النظام، والظلم محل الحق.
وإن كانت المبررات التي يسوقها البعض – كتأخر العدالة الانتقالية – تبدو مفهومة إنسانياً، فإنها تبقى مبررات غير قانونية وغير شرعية، لأن غياب العدالة لا يبرر الفوضى، بل يضاعف المسؤولية على الدولة لإصلاح الخلل، وعلى المجتمع لرفض الانتقام الفردي.

أولاً: الموقف الشرعي

تُجمع نصوص الشريعة الإسلامية على حرمة الدماء، قال تعالى:
(وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) [النساء: 93].
وقال النبي ﷺ: (لن يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً).

والشريعة التي جعلت القصاص حقاً للدولة وليس للأفراد، إنما وضعت ضوابط صارمة تمنع الفوضى، وجعلت إقامة الحدود والقصاص من اختصاص ولي الأمر، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى...)، ولم تترك الأمر للأفراد لئلا يتحول المجتمع إلى غابة يتصارع فيها القوي على الضعيف.

ثانياً: الموقف القانوني (القانون الوضعي)

في جميع التشريعات الجنائية المعاصرة، يُعتبر القتل خارج نطاق القضاء جريمة يعاقب عليها القانون، سواء كانت:

· جريمة قتل عمد: يعاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد.
· جريمة اغتيال: تزيد العقوبة فيها لكونها جريمة "مشددة" لارتباطها غالباً بالخيانة والغدر والتخطيط المسبق.
· جريمة أخذ الحق باليد: تعتبر خروجاً على النظام العام وتعدياً على سلطة الدولة.

والقانون الجنائي لا يعترف بـ"العدالة الذاتية" (Self-Help) إلا في أضيق الحدود (كحالة الدفاع الشرعي)، وحتى ذلك مقيد بضوابط صارمة، وإلا تحولت المجتمعات إلى دويلات متناحرة.

ثالثاً: الموقف من القانون الدولي

تنظر المواثيق الدولية إلى هذه الأفعال باعتبارها:

1. انتهاكاً لحقوق الإنسان: فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 3) يكفل حق الحياة، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 6) يحمي هذا الحق ويحظر حرمانه تعسفاً.
2. جريمة ضد الإنسانية في حال كانت منهجية أو واسعة النطاق.
3. تهديداً للسلم والأمن الدوليين، خاصة إذا أدت إلى اقتتال طائفي أو عرقي، مما قد يستدعي تدخل مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
4. الاغتيال السياسي يعتبر انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، التي تحظر القتل خارج الأطر القضائية.

رابعاً: المفاسد المترتبة (من النص الأصلي)

إن الآثار المدمرة لهذه الأفعال ليست نظرية، بل هي حقائق مؤلمة نراها في مجتمعات مزقتها الحروب الأهلية والثأر والاقتتال:

· تصفيات ثأرية تتحول إلى دوامة من الدماء لا تنتهي.
· اغتيال واغتيال مضاد، وكأننا في حلقات مفرغة من العنف.
· تطور الأمور إلى اقتتال عائلي أو مناطقي أو طائفي، فيفقد المجتمع تماسكه.
· سيتجرأ كل من هب ودب للقتل تحت أي دافع أو تأويل، وتصبح الدماء رخيصة.
· من يقتل جارك اليوم بالدليل سيقتلك غداً بالتأويل، وهذه هي أخطر الرسائل التي تطلقها هذه الأفعال.
· القاتل علانية خارج إطار الدولة يسمى مجرماً، والقاتل عن طريق الاغتيال يسمى غداراً، وأياً كانت التبريرات، تبقى التسمية ثابتة.
· زرع الأحقاد والثارات التي تمتد لأجيال.
· غياب الأمن الذي يعني غياب الاستقرار، والعمل، والحركة، والتنمية.
· سيُقتل الكثير ممن لم يثبت عليهم شيء بمجرد الوشاية والافتراء.
· تضرر ذوي المقتول، حيث يصبح قتيلهم بمثابة الخائن حتى وإن كان بريئاً.
· الكثير ممن تورطوا ربما لا ترقى تهمهم لدرجة القتل.
· انتشار الأخبار والدعايات الكاذبة التي تزيد النار اشتعالاً.
· تشظي المجتمع وفقدان الثقة بالدولة وببعضهم البعض.
· ضياع الحقوق واختلاط الأمور.
· اتساع هذه الأفعال يستدعي تدخلاً دولياً، وهذا يمثل انتهاكاً للسيادة الوطنية.
· خروج الدولة من دائرة الأمان وهروب رؤوس الأموال والكفاءات.

خامساً: تأخر العدالة الانتقالية.. سبب لا مبرر

أشرنا في البداية إلى أن تأخر العدالة الانتقالية، أو غيابها، هو أحد الأسباب التي تدفع البعض للخروج على النظام وأخذ حقه بيده. وهذا اعتراف مؤلم بواقع مُرّ، لكنه لا يبرر الفعل، بل يضاعف المسؤولية على الدولة.

ما هي العدالة الانتقالية؟

العدالة الانتقالية ليست مجرد محاكمات، بل هي منظومة متكاملة تشمل:

· المحاسبة الجنائية لمن ارتكبوا الجرائم.
· كشف الحقيقة للضحايا والمجتمع.
· تعويض المتضررين مادياً ومعنوياً.
· الإصلاح المؤسسي لضمان عدم تكرار الانتهاكات.
· المصالحة الوطنية التي تعيد اللحمة المجتمعية.

وهي ليست رفاهية، بل ضرورة وطنية؛ لأن من لا يجد طريقه إلى المحكمة، سيجد طريقه إلى السلاح.

كيف يؤثر تأخرها؟

· يُحسّ الضحايا وأهاليهم بأن دماءهم مهدرة، فيلجأون إلى القصاص الذاتي.
· تُصبِح الدولة في نظر المواطن عاجزة أو متواطئة، وتفقد شرعيتها الأخلاقية.
· تُفتح أبواب الفتنة على مصراعيها، إذ ينتشر منطق "اللي ما ياخذ حقه بالليل ياخذه بالنهار".
· تُزوّر الروايات وتُختلق المبررات، فيتحول الثائر إلى جلاد، والمظلوم إلى ظالم.
· تترسّخ ثقافة الثأر بدل ثقافة القانون، وتنتقل العداوات بين الأجيال.

الموقف الشرعي والقانوني من الاحتجاج بالتأخير

من منظور الشريعة:
الإسلام يقرّ أن الظلم سبب للفتنة، لكنه لا يقرّ بالعدوان كحل. قال تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) [الحجرات: 9]، فالدعوة إلى الإصلاح وليس إلى الانتقام.
والشارع الحكيم جعل العدالة من أهداف الدولة، وجعل الصبر على الظلم مع السعي القانوني خيراً من الفوضى، قال ﷺ: (إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته).

من منظور القانون:
تأخر القضاء ليس ترخيصاً بالقتل، بل هو عيب في أداء الدولة يتحمّل تبعاته المسؤولون، لكن القاتل خارج القانون يتحمّل هو أيضاً جريمته كاملة، ولا يُعفى بحجّة التأخير، وفقاً لأصول المحاكمات الجزائية في كل الدول.

الدولة بين المطرقة والسندان

هنا يقع الاختبار الأصعب على الدولة:

· إن تركت العدالة الانتقالية تتأخر، فهي تُزرع الفتنة وتدفع المجتمع نحو الهاوية.
· وإن أقرّت بالانتقام الفردي، فهي أنهت سيادة القانون وشرّعت الفوضى.

الطريق الوحيد هو الإسراع في إرساء العدالة الانتقالية الجادة والعادلة، التي تراعي حقوق الضحايا دون أن تحوّلهم إلى جلادين، والتي تحاسب المذنبين دون أن توسّع دائرة الاتهام لتشمل الأبرياء.

توصيات عملية في حال تأخر العدالة الانتقالية

1. وضع جداول زمنية واضحة للعدالة الانتقالية، وإعلانها للرأي العام.
2. تشكيل هيئات مستقلة من القضاة والخبراء وأهالي الضحايا، لمتابعة الملفات الحساسة.
3. تعويض المتضررين مؤقتاً عن الأضرار المادية والنفسية، حتى قبل البتّ النهائي.
4. الإفصاح عن المعلومات تدريجياً، لكشف الحقيقة وقطع الطريق على الإشاعات.
5. الاستعانة بالخبرات الدولية في مجالات العدالة الانتقالية، مع الحفاظ على السيادة الوطنية.
6. العفو المشروط عن بعض مرتكبي الجرائم الأقل خطورة، مقابل الإدلاء بالحقيقة.
7. تكثيف برامج المصالحة المجتمعية على المستوى المحلي، عبر الشيوخ والعقلاء والأئمة.

خاتمة: العدالة ليست انتقاماً، والانتقام ليس عدالة

ليس عيباً أن تعترف الدولة بتأخّر عدالتها، فالعيب كل العيب أن تستمر في التأخير، وأن تترك المواطن وحيداً في مواجهة ظلمه، فيبحث عن حل بيده يكون وبالاً عليه وعلى مجتمعه.

العدالة الانتقالية هي جسر العبور من دماء الماضي إلى أمان المستقبل، ومن يبطئ في بنائه يتحمّل وزر ما يحدث عند انهيار الجسر.

فالدولة التي لا تسارع إلى تحقيق العدالة، لا يمكنها أن تلوم المواطن إذا فقد صبره، لكنها يمكنها ـ بل يجب عليها ـ أن تمنعه بالقوة إذا تجاوز القانون، وذلك لحماية المجتمع الأكبر من شرّ الفوضى.
والمجتمع الذي يرضى بالانتقام الفردي إنما يرضى بفناء نفسه بيد أبنائه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
آخر الدعوى: أن الحكم لله ثم للقانون، وأن الدماء خط أحمر، وأن العدالة المؤسسية هي الضمانة الوحيدة لحياة كريمة ومستقرة.

بقلم الدكتور محمد نضال هادي خلوف Nedal Khalouf

أستاذ مشارك في كلية القانون الدولي والعلاقات الدولية

Generations and Technology University

Generations and Technology

Address

Washington D.C., DC
22101

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when Generations and Technology University posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Share